تلك القرى.. رواية جديدة لأحمد سراج
أزمنة الرواية الثلاثة؛ ماضٍ كقبض الريح، وحاضر مضطرب، ومستقبل غائر فى المجهول، وتبدو شخصيات النص البسيطة وهى تدفع ثمن سكوت العالم وتخاذله أمام الإجرام والاستبداد، نموذجًا لأبناء العالم العربى فى كل بلدانه.
تبدأ الرواية بفصل قصير يحمل "عنوان من ألواح الكتابة" يتناول هجوم الفيضان على القرى المصرية، وهروب الفلاحين منه، ومرورا بسيطرة العمد وتجبرهم، ونهاية بالمقطع الذى لا توجد فيه سوى كلمتين متبوعتين بثلاثة نقط (ما سيتلو...) متجاورة؛ ليبدو أن كل ما سيلى من أحداث ووقائع هو جزء مما سيتلو، وما سيتلو يحكى عن عائدين من جحيم العرق بعد سقوطها فى يد الاحتلال، إلى قريتهم فى مصر؛ ليعيشوا بين أكوان ثلاثة؛ قراهم قبل الهجرة، والرافد وما جرى لهم فيه على مدى عشرين عاما، ثم قراهم الآن وهنا .
ويرى الأكاديمى محمد السيد إسماعيل: "نحن أمام رواية متميزة استفادت من الشعر، وبخاصة فى أسلوب أسامة وشهد؛ والمسرح فى شكل البناء حيث بدت الشخصيات أشبه بالشخصيات الدرامية التى تقدم نفسها بصورة مباشرة ثم يأتى تعليق الراوى – بديل الكورس القديم – على الأحداث.. إن كل ما سبق يؤكد أن الرواية قد جمعت بين سمتين أساسيتين: إحكام البناء وتمرد الوعى وهذا فى تصورى من علامات تميزها وخصوصيتها الواضحة".
بينما يوضح الناقد والشاعر خالد البوهى أن: " يبدأ الكاتب روايته - مستلهما طريقة الكتاب المقدس - بتلخيص تاريخ القهر السياسى والاجتماعى للمصريين بشكل خاص، وللإنسانية - فى صورة المصريين - بشكل عام، والكاتب كما نلاحظ يجيد لعبة الأقنعة، ويوظفها توظيفا رمزيا دلاليا جيدا، على طريقة معزوفات الموسيقيين الجنائزية الحزينة.
واسم الرواية يوحى بأحزان الكاتب الدفينة التى تستحضر صيغة تراثية توحى بمصير يطل علينا بإرهاصاته، والكاتب لا يملك ازاء كل ذلك سوى أن يعزف موسيقاه الجنائزية التى تودع قراه الظالمة، والتى يحبها رغم ظلمها، والكاتب فى ذلك لم يكن سلبيا مستسلما لقدره المحتوم، ولكنه كان يضرب آلات ايقاعه وسط موسيقاه، فربما يستيقظ الراقدون، وربما تنتبه القرى!!"
فيما يرى الشاعر أسامة الحداد: " فى بنية معمارية خاصة يقدم أحمد سراج روايته الأولى " تلك القرى " حيث العوالم التى تتسع وتنقبض؛ بين انفتاح على الآخر؛ وانغلاق داخل المجتمع القروى بإشكالياته؛ وأساطيره وإعادة اكتشاف لبطولات؛ وهزائم؛ واغتراب الإنسان فى سعيه للخلاص... هنا السرد المراوغ حيث يبدو بسيطا؛ وهشا؛ لكنه شديد التماسك - فى اللحظة ذاتها- والشخصيات تبدو وكأنها عادت للحياة؛ وهى فى طريقها للموت.. هنا المكان حى كحقل؛ ومهجور كطريق عبده... طريق الحرية الضائعة..
وتذهب الدكتور هويدا صالح: " فالزمان المتداخل ما بين الزمان الأسطورى والتاريخى والواقعى يكشف عن رغبة الكاتب أن يشحن نصه بدلالات متعددة ومستويات فى التلقى متراكمة طبقة فوق أخرى، فالكاتب كأنه يريد أن يكتب قصة الخلق منذ التكوين، وليس قصة بسطاء تلك القرى فقط. تتنوع لغة الرواية ما بين اللغة التى تقترب من لغة الكتب المقدسة، واللغة السردية العادية، ليحكى نتفا وشذرات من التاريخ المصرى محاولا أسطرة الزمان والمكان".
وبحسب الأكاديمى عمرو منير: "يستطيع القارئ أن يجد فى هذه الرواية متعة فنية، ومتعة وطنية حيث يرى مصر التى يحلم بها جيلنا تولد أمام عينيه، وهذا هو المستحيل الموجع الذى يسعى وراءه أحمد سراج بكل صبر واقتدار تمسكه بحلم جيلنا وبالطريق، قد بدأ يؤتى ثماره عبر مستويات ثلاثة: المعاصر، والواقعى، والأسطورى، ويتحرك ليس بين النقيضين فقط، ولكن بين كل الألوان عبر "تلك القرى" الموصولة بالذاكرة لأنها عصب التاريخ، وموصولة بالإرادة لأنها عصب التغيير، وموصولة بالأمل لأنه مبدأ الوجود".
فيما يذهب الروائى حمدى البطران إلى أن: " تبدو هناك ملاحظة، ربما لم تلفت الأنظار، وهى كلمة خرجت من عبير، إحدى الشخصيات، وهى عراقية، عندما قالت: "لم أصدق أننى خرجت، أننى سأرى الشمس، أننى سأرى، لكن كل ذلك حدث، اعتقلنى بنو جلدتى وحررنى الاحتلال، ظللت فى مصحة إعادة التأهيل حتى استطعت أن أقف على قدمى، طلبتُ الطبيب المعالج، وسألته بلغته أن يسمح لى بالخروج، أبدى دهشته من إتقانى لغتهم، ولم يوافق على خروجى إلا حين أوضحت له أننى سأسافر إلى بلاده لأستكمل العلاج، أعطانى بطاقته وعنوانه هناك: أموت فى الرافد، ولا يعالجنى الاحتلال ".
أما الشاعر والناقد محمد على عزب فيقول: " مثلما كانت هناك بدايتان لرواية " تلك القرى" البداية الأولى تميل إلى التجريد والاٍيحاء والبداية الثانى تخصّ عالما محدد به أحداث مركزية وشخصيات وزمان ومكان محدد، فاٍن للرواية نهايتين أيضا النهاية الأولى جاءت مفتوحة فلم تتحدّد مصائر الشخصيات باستثناء " هندى " الذى جاء مقتله على يد صاحبيه "سمير" و"ربيع" اللذين ينتميان واٍن كان بشكل أقل نسبيا للنموذج التى تعبر عنه "هندى".
وانتهت الرواية بسؤال "عامر" بعد أن أنهى جدّه حكاية "عبده البدوى" الذى تحدى العمدة السلطة وكانت نهايته على يد قريبته العجوز القعيدة التى تعيش تحت فى رعاية ولم يعجبها ما فعل "عبده" فزحفت على الأرض وعفّرت وجهه بالتراب الناعم لتؤدبه فدخل عينيه وظل يفركهما فاجتمع عليه رجال العمدة وقتلوه غدرا، وكان سؤال "عامر" لجده وأمه و"عبير" و"أسامة" (هل عبده أفضل أم عامر الخفاجى؟ هل تدفع القرى شرف أبنائها وأعمارهم ضريبة للسكوت عن الظلم والوقوف مع الظالم؟ وهل لهذا تظل القرى ـ تلك القرى ـ تعيش عهدها الأليم؟! وحتى متى تبقى تلك القرى فى عهدها الأليم ؟!).