حسن مالك
وقبل هذا وذاك تمويل جماعة محظورة، على أساس أنه يمكن استخدام القصة لشغل القواعد عن تحركاته للمصالحة مع الدولة، فضلًا عن تفعيل خطة "البند الناقص فى خارطة الطريق" لإعادة المياه إلى مجاريها مع السلطة.
بل إن عزت نفسه، قد يرى فى إلقاء القبض على مالك، فرصة ذهبية لمزيد من إحكام السيطرة على التنظيم، عبر إبعاد مصدر تمويل محتمل بعيد عن يديه عن المشهد، من جهة، ومن جهة أخرى منح الدولة التى يغازلها بشتى الطرق، الفرصة كاملة، للتأكّد بنفسها، وعبر أجهزتها المعنية، أمنيًا واقتصاديًا، من توقف إمدادات الدعم المالى لأى نشاط يستهدف حرق الشارع.
الأهم بالنسبة لعزت وفريقه ورجاله، فى الوقت الراهن، بلورة شكل مصالحة ترضى عنها الدولة، وتحقق فى الوقت ذاته الحد الأدنى من المكاسب للجماعة، وأهمها إعادة النظر فى مصير القيادات المحبوسة أو المطاردة بأحكام الإعدامات، وكذا منح التنظيم تذكرة عبور إلى العمل العام مجددًا، ولو من باب الدعوة وبعيدًا عن السياسة.
ودانت السيطرة لعزت على مقاليد الحكم فى التنظيم، بعد أن تمكّن من وضع يده وأنفه فى سويداء قلب التشكيل الجديد لإدارة مكتب إرشاد فبراير 2014، فى غيبة رئيسه الأهم، محمد طه وهدان، خلف أسوار السجن، وفى ظل حرب شعواء مارسها ورجاله لتشويه سمعة ياوره الأخير، محمد كمال، وتحميله مسؤولية قيادة اللجان النوعية التى تواجه النظام بسياسة حرب الشوارع.
وتمكّن عزت من بسط نفوذه على التنظيم، بعد شهور من الصراع المرير مع فريق فبراير 2014، من خلال تعميم خطة استقطاب وتجنيد واستنهاض ولاءات لمسؤولى القطاعات والمكاتب الإدارية بالجماعة، خصوصًا فى محافظات الصعيد والمعقلين الإخوانيين الكبيرين: الشرقية والغربية، فضلًا عن ممارسة عمليات ترهيبية واسعة بين هؤلاء، تصل إلى حد تجميد العضويات وربما الطرد، فى حال مخالفة التعليمات، مع استبدال فج للكثير من الكوادر المناوئة أو غير المتعاونة فى المناطق، بأخرى طيعة تعبد السمع والطاعة، دون إجراء انتخابات أو إبداء قواعد واضحة أو معايير محددة لاختيارهم وتسكينهم فى مواقعهم الجديدة.

محمود عزت
كما تمت السيطرة على مكتب الإخوان فى الخارج والقابع بتركيا، من خلال إبراهيم منير، حليف عزت الجديد، ليجد الأخير رحابة كبيرة أمامه لإعادة إحياء التنظيم المنهار، من خلال بوابة الدولة، معتمدًا فى ذلك على خطة محكمة تقوم على تنسيق وتحركات من جانب الذراع الدولية للتنظيم يروج لها يوسف ندا، ويقودها الإخوانى، زعيم النهضة التونسية، راشد الغنوشى، تستهدف اتمام مصالحة بين الجماعة والنظام فى مصر، بوساطة سعودية بالأساس، مع ضغوط أخرى من جانب الجزائر وعدد من دول الخليج كالكويت.
خطة عزت تعتمد أيضًا على طرح عربون تهدئة مع السلطة الحالية، فى مقابل تطمينات وضمانات باعتزال تام قد يمتد لعشر سنوات للحياة السياسية، بالتوازى مع احتواء القواعد النافرة المنخرطة فى معارك العصابات وحروب الشوارع والمعروفة باللجان النوعية.
لكن النقطة الأهم والأعلى فى خطة عزت، والتى ينفرد "مبتدا" بنشر ملامحها الرئيسية، نقلًا عن مصادر إخوانية وثيقة الصلة بمجموعة القائم بأعمال المرشد، تعتمد على استغلال التدنى الكبير فى نسب المشاركة بالتصويت فى المرحلة الأولى من انتخابات البرلمان.
عزت يرى أنه من الناحية السياسية، يمكن استخدام ضعف الإقبال على الانتخابات، باعتباره محل تشكيك فى شعبية وشرعية النظام، وبناءً عليه يمكن الحديث عن إعادة قراءة بنود خارطة الطريق المعلنة فى 3 يوليو 201، بعد لحظات من عزل محمد مرسى، وتفعيل البنود المتبقية منها، والتى ترى الجماعة وقادتها أنها قد تكون طوق النجاة لها.
ويستهدف الإخوان فى الوقت الراهن، تعظيم الحديث عن بند المصالحة الوطنية الذى تضمّنته خارطة الطريق ولم يُفعّل، على أساس أنه لم يصدر أى قرار، سواء من الرئيس المؤقت عدلى منصور، ولا من الرئيس عبد الفتاح السيسى، بتشكيل اللجنة العليا للمصالحة الوطنية، حتى الآن.

السيسى
على هذا النحو، وكما تقطع المصادر، اعتمد عزت أمرًا تنظيميًا بتبنّى حملات ترويجية وإعلانية فى الخارج، من أجل الحفاظ على حالة المقاطعة الشعبية للانتخابات، وبث مناخ من اليأس والاحباط، يمكنه التأثير على الهيئة الناخبة داخليًا فى جولات الإعادة، وفى المرحلة الثانية، بحيث تهبط نسب الحضور النهائية فى الانتخابات إلى أقل من 20%، ومن ثم يمكن الترويج لأن النظام وخارطة طريقه فقدا الشعبية والشرعية بالفشل فى الحشد للبرلمان، وعليه، حسب الزعم الإخوانى، يمكن الحديث فى تلك اللحظة، إما عن خارطة طريق جديدة وإما، على أقل تقدير، وهو المستهدف، تفعيل بند المصالحة من الخارطة الحالية، وطبعًا بعد الاعتراف بها، بما يصبّ فى صالح الجماعة.
المثير أن عددًا من المحسوبين على أبواق المشروع الإخوانى، سواء فى الإعلام أو فى المجتمع المدنى، بدأوا يروّجون بالفعل، منذ انتهاء التصويت فى المرحلة الأولى، لتلك الفرضية، علنًا، وفى صيغة أشبه بعرض غير رسمى للدولة، لسيناريو مفاده أنه لا حلّ لتعديل المشهد الشعبى الاحتشادى المتراجع، إلا بتنحّى القائمين على السلطة، وإتمام مصالحة بين عناصر من 30 يونيو توارت عن الأنظار فى المرحلة الأخيرة، على أن يكون الطرف الثانى لتلك المصالحة هو الإخوان لا غيرهم.