مدرسة الفاو الحقلية
لم يكن الطريق إلى هنا سهلًا.. يحكي علاء، الشاب العشريني الذي لا يسمع ولا يتكلم، أنه عمل في مقهى شعبي، ثم مساعدًا في محل لبيع الدواجن، وكلتا التجربتين لم تكونا أكثر من فصول متقطعة من العمل غير المنتظم.
يقول، عبر لغة الإشارة التي يترجمها من يعرفها: "كنت أشعر بالعزلة، بدون أصدقاء أو تواصل، لأن قليلًا من الناس يعرفون لغة الإشارة، وكانت هناك مشكلة كبيرة في أن أجد عملًا منتظمًا بأجر مناسب، لأنه حتى إذا كان هناك عمل فيكون الأجر أقل من الطبيعي، لأن الناس تتعامل معنا باعتبارنا فئة أقل من العمالة".

على بعد أمتار من علاء، يعمل رجب أحمد في صمت مألوف له، يتابع مراحل إنتاج الشتلات بعينين تختزنان سنوات من الإقصاء الصامت.
رجب ينتمي إلى أسرة تعمل في تجارة الأخشاب، ولديها ورشة لتصنيع الأثاث عمل فيها منذ كان طفلًا، وتعلّم المهنة حتى أتقنها. لكن الإتقان وحده لم يكن كافيًا.
يقول رجب، عبر مترجم لغة الإشارة: "رغم أنه كان لديّ صنعة أُجيدها، ظلت هناك فروق بيني وبين أقراني في نفس المهنة. مهما اجتهدت لم يتقبلني المجتمع ولم يُقدّرني".
ثم يضيف بشيء يشبه الارتياح: "أما هنا، أنا قادر على التواصل والتعامل، لا أشعر أن هناك حاجزًا بيني وبين الآخرين، أو أن أحدًا أفضل مني".
أنور عشماوي، يعرف هؤلاء الشباب منذ أمد بعيد، كان معلمهم في مدرسة الصم والبكم بملوى، وصار اليوم مترجم لغة الإشارة الخاص بمجموعتهم في المدرسة الحقلية.
يقول وهو يتابعهم: "في مدرسة الفاو الحقلية تحول هؤلاء الشباب والشابات إلى مجموعة أكثر تفاعلًا مع المجتمع وثقة في النفس. الأمر الجميل أنني كنت شاهدًا على هذا التطور الكبير منذ التحقوا بالمدرسة".
اجتمع رجب وعلاء مع ستة وعشرين آخرين من الشباب والشابات الصم والبكم تحت سقف المدرسة الحقلية بمنشأة المغالقة، في إطار برنامج "تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمن الغذائي وتمكين المجتمعات الريفية الضعيفة"، الذي انطلق في ديسمبر 2023 بدعم من السفارة النرويجية بالقاهرة، ويمتد حتى نوفمبر 2026.

يستهدف البرنامج تعزيز سبل العيش للمجتمعات الأكثر هشاشة، خاصة في القرى التي ترتفع فيها معدلات الفقر وسوء التغذية، مع تركيز خاص على تمكين النساء والشباب وذوي الإعاقة.
وتتضمن أهدافه تأسيس خمسين مدرسة حقلية لتعزيز دخل الأسر الفقيرة، وإطلاق 550 مشروعًا متناهي الصغر بنهاية المشروع، منها خمسون مشروعًا فرديًا وخمسمئة لمجموعات، تبلغ نسبة النساء فيها 90%، من إجمالي ألف مستفيد، تمثل الإناث منهم 60%.
كانت المجموعة تضم أزواجًا وزوجاتهم، وبعض النساء فيها خرجن للعمل والاحتكاك بالمجتمع لأول مرة في حياتهن.
وتروي فاطمة رشدي، رئيس جمعية المودة لرعاية الصم والبكم وأحد منسقي المشروع، ما كان يكبّل هؤلاء النساء قبل ذلك: "بعد سنوات طويلة من سيطرة ثقافة الانغلاق والعزلة والخوف من المجتمع عليهن، سُمح لهن بالمشاركة، فالأزواج كانوا يخشون على زوجاتهم من قسوة المجتمع الذي لا يتقبلهم هم الذكور، فما بالنا بالإناث".
وترى زينب رضوان، مسؤولة المشروع في مركز ملوى، أن ما تجاوزه هؤلاء الشباب لا يقتصر على تعلّم حرفة جديدة: "هذه المجموعة تجاوزت الكثير من الحواجز النفسية والاجتماعية، وأهمها قبول المجتمع لهم، بسبب عدم وجود لغة مشتركة بينهم وبين مجتمعهم، إذ يعرف لغة الإشارة قليلون جدًا في البيئة المحيطة بهم".
في المدرسة الحقلية، يعمل الثمانية والعشرون على مشروع إنتاج شتلات قصب السكر، يوزعون مراحله بينهم بانتظام محكم يعكس ما تعلموه، تبدأ الرحلة باختيار الأرض التي ستُؤخذ منها الأعواد الجيدة، ثم نقل القصب إلى ورشتهم الصغيرة الملاصقة للحاضنات.
بعد ذلك تبدأ مرحلة استقطاع البثور القابلة للنمو، ثم توضع في حاضنة مغلقة جيدًا لمدة تصل إلى سبعة أيام، تتراوح درجة حرارتها بين أربعين وستين درجة مئوية، حين تنمو الجذور وتطلع الأوراق، تنتقل الشتلات إلى صوب زراعية لمدة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع، لتكون بعدها جاهزة للزراعة في الأرض مع بداية الموسم.
والمفارقة اللافتة أن هذا المشروع هو الوحيد من نوعه داخل محافظة المنيا، رغم أنها تضم مصنعين من أكبر مصانع إنتاج السكر في مصر، سواء من القصب أو البنجر.
وبحسب مصطفى سليم، استشاري المشروع، فإن المحافظة تشهد طلبًا مرتفعًا على الشتلات يصل إلى 800 ألف شتلة سنويًا، كان يُلبَّى بالكامل عبر استيرادها من محافظتي بني سويف وأسوان.
يرى سليم، في هذه الفجوة فرصة حقيقية: "الطلب على زراعة القصب بالشتلات يعتبر قطاعًا واعدًا جدًا، لأنه أفضل الطرق التي تحقق إنتاجية مرتفعة للفدان تقترب من ستين إلى سبعين طنًا، فضلًا عن الحفاظ على نوعية القصب المنتج، إذ إن طريقة الزراعة بالشتلات تحافظ على حيوية النوع المزروع وتحمي سلالته من التدهور، وتحقق أقل قدر من الهدر".
ويتوقع سليم، أن يحقق المشروع عوائد جيدة جدًا بنهاية موسم حصاد القصب بحلول نهاية 2026، مشيرًا إلى أن المجموعة بأكملها تدربت على ماكينة قص أعواد القصب قبل وضعها في الحاضنات، وباتت العمالة الوحيدة داخل المحافظة المدربة على هذه المهارة: "هم الوحيدون أصحاب المهارة والخبرة في إنتاج شتلات القصب في شمال الصعيد".
وتُشكّل الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي في محافظة المنيا، إذ توظف 49.8% من إجمالي العمالة، كما تمثل المحافظة 6.5% من الأراضي الصالحة للزراعة على مستوى البلاد، وهو ما يجعل من قطاع الأعمال الزراعية الصغيرة، لا سيما تجهيز المنتجات الزراعية للسوق المحلية، قطاعًا ذا إمكانات واسعة لاستيعاب النساء والشباب وذوي الإعاقة في سوق العمل.
في تلك الورشة الصغيرة بمنشأة المغالقة، حيث لا تُسمع أصوات، لكن الحركة لا تتوقف، يثبت ثمانية وعشرون شابًا وشابة أن الصمت ليس عجزًا، وأن الأرض حين تُعطى بالحق لمن يعمل عليها، لا تسأل عمّن يسمع ومن لا يسمع.