البث المباشر الراديو 9090
سيد الوكيل
نسمع، طوال الوقت، عن الشاعر الذى اتجه لكتابة الرواية، فى حين لا يحدث العكس، فلا نجد روائى ينفض عنه ثوب السرد ليكتب القصيدة. ربما يعود ذلك للجوائز الكثيرة التى تهتم بالرواية ومن يكتبها، وربما تكون كتابة الشعر أكثر صعوبة من الرواية.

هنا نطرح سؤالًا على عدد من الكتاب الذين ننشر إجاباتهم تباعًا: لماذا لا يكتب الروائيون الشعر؟

سيد الوكيل:

علينا ملاحظة أن البدايات الأدبية بالشعر لم تعد موجودة تقريبًا، كان هذا شرطًا فى بداية القرن الماضى، ثم انحسر تدريجيًا حتى اختفى تقريبًا. كانت البدايات بالشعر أشبه بتقليد، ارتبطت بطريقة التعليم من ناحية، وبموروث الأدب العربى من ناحية أخرى. فالتمكن من الشعر العربى والقرآن الكريم، كان البوابة الأولى لتكون مثقفًا، أديبًا، معلمًا، أو حتى مطربًا، لنتذكر مثلا أم كلثوم وعبد الوهاب.

وكان فن القصيد جذابًا ومغويًا بطابعه الغنائى وبلاغته اللغوية، أما الأجيال الأحدث فربما لم يمروا بهذا. ولو فتشت عن الشعراء الجدد المتميزين الآن، ستجدهم من أبناء الأقاليم عادة، فمازال موروث الثقافة العربية يعمل بقوة عندهم.

أنا مررت بمحطة الشعر فى صباى، لكنى أدركت سريعا أنه ليس ميدانى،  فأنا قاهرى، وتلقيت تعليمًا حديثًا، وغوايتى الأولى كانت السينما، هكذا تربى وجدانى على التشكيل البصرى فقادنى إلى السرد. وأظن أن معظم الروائيين، مروا بظروف مشابهة. باستثناءات قليلة.

أذكر مثلا أن المرحوم محمد مستجاب عندما قرأ مجموعتى القصصية الأولى ( أيام هند- 1990) أشاد بها، ولكنه نصحنى أن أستمع للموسيقى جيدًا، وكان يقصد أن لغتى فقيرة إيقاعيًا وبلاغيًا. كان مستجاب من الروائيين الذين تربوا على ميراث البلاغة العربية، مثل يحيى الطاهر عبد الله وغيرهم، لهذا فإن تجاربهم السردية يغلب عليها الإيقاع اللغوى، فى مقابل خفوت الإيقاع البصرى (التشكيلى).

الخلاصة: هناك عوامل كثيرة توجه طاقة الإبداع فى البداية، ثم يستجيب لها المخ فتنشط مراكز وموصلات عصبية معينة، ومن ثم تتطور وتنمو، ولا يمكنك وقفها وتغيير اتجاهها فجأة. فلو قررتُ أن أكون شاعرًا الآن، سأكون الأسوأ على الإطلاق.

فى التسعينيات انتشرت موجة قصيدة النثر، التى تخلت عن الإيقاع الصوتى، وزهدت فى البلاغة اللغوية، وأفادت من تقنيات القص مثل المفارقة والمشهدية. هذا أغوى الكثيرين منهم أن يتحولوا للسرد، وفى المقابل، أغوى بعض الساردين أن يكتبوا قصصهم بمذاق شعرى تحت شعار ملفق اسمه (عبور النوع). لكن الذين نجحوا من الجانبين حالات فردية نادرة. وسبب ذلك، أن فى غمار متاهة التسعينيين الذين تكالبت عليهم مؤسسات ثقافية، وأفراد يحلمون بالأستاذية، فلم يمنحوهم فرصة النمو الطبيعى، حدث أن بعض الموهوبين سرديًا اختلط عليهم الأمر فضلوا طريقهم إلى قصيدة النثر، ثم اكتشفوا أنهم لم يتحققوا فيها، وعندما عادوا للسرد حققوا نتائج مدهشة، منهم (هدى حسين).

الآن كل شىء مختلف لأسباب معقدة ذكرتها فى كتابى (عملية تذويب العالم) ولا يسمح المجال بذكرها هنا، السرد أصبح فنًا شعبيًا، كأغانى (البوب) أى واحد يقدر يغنى. ما حدث أن الناس اكتشفت أن السرد إمكانية بشرية متاحة للجميع لو تحرروا من شروط الأدبية.

الآن كل من لدية  تجربة يستطيع أن يكتبها، وسيجد له  معجبين أو ألتراس على الإنترنت. ويوضع على قوائم البست سيللر فى المكتبات. التحرر من شروط الأدبية، جعل السرد كالإعلانات، ليس فقط أسرع طريق للشهرة، بل إمكانية تقدم بها صورتك للواقع كما تريدها أنت. فإذا كان المشاهير المتحققين يرغبون أن يقدموا أنفسهم كروائيين، فلما نستكثر ذلك على شاعر. أنا شخصيًا لن اندهش لو كتب نجيب ساويرس رواية.  

الرواية بمواصفاتها الأدبية، ستلقى نفس مصير الشعر والقصة، ومقولة زمن الرواية انتهت، لكن السرد سيستمر، وسيجد له طرائق جديدة، بعيدا عن الشروط الأدبية. هذا الكلام قد يرفضه البعض الآن، وأتمنى أن أعيش لأراهم يقولونه على منصات الأدب فأضحك.              

.    

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً