الرئيس الراحل محمد أنور السادات
وفى تقرير مفصل له على صحيفة "معاريف" الإسرائيلية جاء تحت عنوان "كيف خطط السادات لحرب أكتوبر.. وضلل إسرائيل"، قال مندس إنه كما غير "هجوم بيرل هاربور" الذى نفذته البحرية اليابانية على الأسطول الأمريكى القابع فى المحيط الهادئ عام 1941، مجرى التاريخ، هكذا فعلت حرب أكتوبر.
صفعه على جبين القادة
ويقول مندس فى مستهل تقريره إن الصفعة المؤلمة التى تركتها حرب 1967 على وجه الزعيمين جمال عبد الناصر وأنور السادات، كانت واضحة لجميع قادة العالم العربى، الذين عقدوا مؤتمرا عاجلا عقب الهزيمة، واختتم عبد الناصر المؤتمر بمقوله شهيرة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، وفى 6 سنوات وأربعة أشهر بين حزيران 1967، وحرب 6 أكتوبر 1973، لم يفهم أحد فى "إسرائيل" نوايا المصريين ولم تعط لتصريحاتهم أى أهمية، بالرغم من أن وزير الدفاع موشيه دايان صرح أكثر من مرة أنه ينتظر إجراء مكالمة هاتفية من القاهرة لإجراء مفاوضات.
وخلف محمد أنور السادات نائب الرئيس جمال عبد الناصر، حكم مصر، وتمكن من ترسيخ حكمه، إذ تخلص من رجال عبد الناصر، وقرر الدخول فى حرب لتحرير سيناء، ولكن لتفادى الخلل الذى حدث فى حرب 1967، قرر السادات أن يدرس الأخطاء التى وقع فيها عبد الناصر، إذ عين فريق تحقيق برئاسة المشير عبد الغنى جماسى، لبحث أسباب الهزيمة، وهكذا خلص السادات الجيش المصرى من جميع أمراضه، والنتيجة معروفة هى "الانتصار".

فشل استخبارتى
على الجانب الآخر من النصر الذى حققه الجيش المصرى، كانت الهزيمة التى وقع فيها الجيش الإسرائيلى الذى فشل فى المراحل المبكرة لحرب أكتوبر، فشل استخباراتى، وارتفعت فرص الهزيمة أمام مصر، لذلك اتجه العقيد يوئيل بن بورات، الذى كان فى ذلك الوقت قائدا للوحدة 848 (اليوم 8200) التى تركز عملها فى جمع المعلومات الاستخبارية، إلى الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اللواء شلومو جازيت، وطلب منه أن يخصص فريق بحث، لمعرفة أساب الفشل الاستخباتى الكارثى الذى لحق بهم فى بداية حرب أكتوبر لكن جازيت رفض قائلا إن هناك خللا واضحا ويجب إصلاحه بطرق أخرى إذ تم اختراق المؤسسة المركزية للحكومة فى مصر من خلال العميل المصرى "أشرف مروان" الذى كان يدعى بـ"الملاك".
الملاك الخائن
ويقول مندس إن إسرائيل عودت جنودها على فكرة أن هناك عناصر مصرية معادية للحكومة، على استعداد للعمل لصالح إسرائيل مقابل الحصول على تعويض مناسب، وكانت هناك عناصر فى مجالات مختلفة فى الاقتصاد والسياسة، وعلم النفس، إذ أنهم يتمتعون بالذكاء الذى يمكنهم من التعامل مع أفراد الموساد دون أن يفتضح أمرهم وكان بالطبع أشهرهم هو "الملاك" أشرف مروان.
وفى الحقيقة فإن تسفى زامير الرئيس الرابع لجهاز الموساد الإسرائيلى، لا يزال يعتقد أن أشرف مروان كان أعظم جاسوس له منذ ما يقرب من خمسة عقود، وأنه تألم لوفاته وشعر بمرارة عظيمة عند سماع هذا الخبر، وتعتبر هذه التصريحات إهانة كبيرة لعملاء الاستخبارات الحاليين، وفى الوقت ذاته توضح كيف أن رئيس الموساد السابق رفض أن يقول أنه كان مخطئا.
السم فى العسل
وهناك أسباب قوية جعلت زامير يفتن بمروان ويدلى بمثل هذه التصريحات، أولا لأنه لا يزال مفتونا بنوعية المواد التى تلقاها من مروان، لكنه فى الواقع كان فخ السم فى العسل الذى أعده السادات إذ كانت المعلومات التى أدلى بها مروان لإسرائيل ما هى إلا دواء تخدير، أعد بحكمة وبذكاء عالى الجودة بفضل خبرة السادات التى أوهمت إسرائيل.
وثانيا أن اقتناع زامير بمروان ينبع من عدم الإلمام بالثقافة العربية عموما والمصرية على وجه الخصوص، إذ ان زامير حكم على مروان من منظوره وليس من المنظور الأكثر شيوعا، فلم يفطن زامير مطلقا إلى أن مروان كان عميل مزدوج، فضلا عن أنه اعتمد على مروان فقط كمصدر واحد فى معلوماته وهذه تعتبر جريمة كبيرة وخطأ شائع فى حقه كرجل مخابرات.
الخدع الثلاث
وأوضح مندس أن هناك ثلاث عمليات خداع استخباراتية كبرى تمت فى القرن الماضى، وقعت الأولى فى يونيو 1941، بين ألمانيا والاتحاد السوفيتى، قبل الغزو الألمانى لروسيا، والمعروفة باسم عملية "بارباروسا"، والثانية وقعت فى ديسمبر 1941 بين الولايات المتحدة واليابان، قبل أن تهبطت البحرية اليابانية بضربة مفاجئة على الأسطول الأمريكى القائم فى المحيط الهادى والتى عرفت بـ"بيرل هاربور"، والثالثة، الأطول والأكثر تطورا، والتى وقعت بين مصر وإسرائيل عام 1973.
ووصف مندس الأحداث الثلاثة بأنها فضائح إذ قال من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن الفضائح الثلاثة سبقتها اتصالات سياسية مكثفة بين الجانبين المتنافسين قبل اندلاع الحرب، ففى المنطقة الأوروبية، انتهت ذروة المحادثات بتوقيع معاهدة عدم اعتداء بين الطرفين، فقد أجرى السفير اليابانى لدى الولايات المتحدة محادثات فى واشنطن حول امكانيات نفوذ البلدين فى المحيط الهادئ، وفى الثانية عقدت معاهدة عرفت باسم "معاهدة مولتنوف - ريبنتروب" أو معاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتى، وفى الثالثة أجرى السادات حملة دبلوماسية عالية ومنسقة لرغبته فى قبول سيناء سلميا.
الحرب خدعة
ويقول مندس إن عمليات الهجوم المفاجئة فى الحالات الثلاثة كانت لديها معظم المعلومات الاستخبارية التى تشير إلى الاقتراب من الحرب، لكن المخابرات الإسرائيلية كانت عمياء جدا إذ ضللها أشرف مروان، ولم يفهم أحد فى مجتمع الاستخبارات الإسرائيلى أن السادات لم يكن فى حاجة إلى الحرب، ولم يكن قادرا على تحملها، وكان وضعه الشخصى فى مصر، باستثناء الجيش، متدهور، إذ كان يطلق عليه فى الشارع المصرى "الناصر"، فقد كان شخصية مخادعة لأبعد الحدود لكن خداعة أكسبه النصر.
وأوضح مندس أن السادات رجل متواضع ذو إيمان دينى قوى، وعلم لا حدود له، وذكاء مدهش، وما يؤكد ذلك أنه نجح فى تسخير الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة معا فى مجهوده الحربى.