سعود الفيصل

مصر والراحل سعود الفيصل. يكفينا أن نقول إنه كان وزير النفط أثناء حرب أكتوبر. كان كذلك وقت أن اتخذت دول الأوبك "الدول العربية المصدرة للبترول"، قرارا باستخدام النفط، سلاح لدفع الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة فى مصر وسوريا، بما أثر على تحول تأييد معظم الدول الأوروبية من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الدول العربية.

النفط سلاح العرب

كان سعود الفيصل مهندس المعركة النفطية. الحكاية بدأت قبل الحرب بقليل، خصوصا بعد توقيع اتفاقية "جينيف" المعدلة بين ست من دول الخليج المنتجة للنفط وليبيا ونيجيريا فى يوليو 1973، زادت بموجبها أسعار النفط المعلنة بنسبة 11.9%، حيث اتفق الراحل السادات والملك فيصل على استخدام النفط كسلاح، دون تحديد آليات.

ومع اندلاع حرب أكتوبر بدأت الدعوة لوقف الإنتاج النفطى للغرب، والواقع أنه حتى الحرب لم تكن هناك وسيلة واضحة لاستخدام البترول كسلاح فى الحرب، ولم يكن العرب قد اتفقوا على شىء محدد يمكن صياغته.

كانت وجهة نظر السادات التى وافق عليها الملك فيصل فى الثامن من أكتوبر، هى أن البترول سلعة استراتيجية وليس سلاح، ويمكن المساومة به ولا يجب على دول الإنتاج معاداة دول الاستهلاك، وضرورة الاتفاق حول الاستهلاك والإنتاج وأن يتوازى سعره مع مصادر الطاقة الأخرى، مع الحفاظ على مستوى إنتاج يحقق الربح.

بخلاف هذه الافكار العامة لم يمتلك العرب عملياً خطة او أى آلية لحظر النفط بشكل واضح، فيما اقترح الملك فيصل عدم قطع النفط عن أوروبا الغربية واليابان.

فى 16 أكتوبر 1973، أعلنت السعودية وأبو ظبى وإيران والعراق والكويت تقليل الإنتاج 15%، ورفع الأسعار المعلنة للزيت الخام من خلال الأوبك بنسبة 70% لتصل 5 دولارات و12 سنتا، وفى اليوم الذى تلاه تم إقرار أوبك "استخدام النفط كسلاح".

وفى نوفمبر، ارتفع التخفيض لنسبة 25% من الإنتاج، وبعدها بشهر زاد التخفيض إلى 30%، ثم كان القرار الذى اتخذته ست دول من الدول الخليجية المنتجة للنفط (السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران) فى ديسمبر برفع أسعار خاماتها من 5.8 دولار للبرميل إلى 11.5 دولار، وكانت المرة الأولى التى تتجاوز فيها أسعار النفط العشرة دولارات.

كان سعود الفيصل (المولود بالطائف عام 1940) مهندسا لهذه العملية، التى ساهمت بقدر كبير فى الضغط على الغرب المساند لإسرائيل، وكذا ساهم أيضا فى تحقيق مكاسب مادية طائلة لدول الخليج نتيجة هذا الضغط.

شهادة أبوالغيط

يقول عنه وزير الخارجية المصرى الأسبق أحمد أبوالغيط، فى كتاب "شهادتى" الذى سجل فيها سنوات عمله وزيرا للخارجية ودبلوماسيا مصريا: "تعززت علاقتى بالأمير سعود خلال سنوات عملى وزيرا للخارجية، وقدرت دائما أنه أذكى الوزراء الذين عملت معهم وأكثرهم خبرة.. والحقيقة أنه لم يعتمد فقط على الخبرة التى تحصل عليها منذ تعيينه وزيرا لخارجية بلاده بعد وفاة والده الملك فيصل عام 1975، ولكنه تسلح بقدر كبير من المعرفة الفلسفية والقراءات المتعمقة لكل ما هو مهم فى بناء شخصية وزير الخارجية لبلد مهم مثل السعودية، وعدم الاكتفاء فقط بالحرفية أو التجربة.. وكثيرا ما كنا نتبادل الرأى لكتب مختلفة قرأها أو قرأتها ونصحته بأن يطلع عليها".

علاقة الفيصل بمصر فى الفترة الأخيرة كانت قوية جدا، لاسيما بعد ثورة 30 يونيو، حيث لعب دورًا حاسمًا فى توضيح الموقف لدول الاتحاد الأوروبى، والحصول على دعم أوروبى للقيادة الجديدة فى مصر بعد الإطاحة بنظام الرئيس محمد مرسى، وجماعة الإخوان المسلمين.

العالم ينعيه

بعد ساعات قليلة من إعلان خبر وفاة الأمير سعود الفيصل، بدأ زعماء وقادة العالم فى تقديم التعازى فى وفاة الوزير الذى قضى 40 عاما على رأس الدبلوماسية السعودية.

الرئيس الأمريكى باراك أوباما أعرب عن تعازيه بوفاة الفيصل، مشيدا بإنجازاته على مدى 40 عاما قضاها فى منصب وزير الخارجية. وأشار إلى أنه شهد بعض الفترات الأصعب فى المنطقة. كما عمل فى كل مرحلة على دعم أهداف السلام سواء بالتفاوض لإنهاء الحرب الأهلية فى لبنان أو المساعدة فى إطلاق مبادرة السلام العربية.

من جانبه، نعى وزير الخارجية الفرنسى لوران فابيوس الأمير سعود ووصفه بأنه مهندس الدبلوماسية السعودية ورجل السلام والمدافع عن استقلال بلاده فى المحافل الدولية، وجاء فى البيان الذى صدر عنه: "تلقيت ببالغ الحزن وفاة الأمير سعود، بعد خدمة ما يقارب الـ40 عاما، قاد خلالها السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، بعمل دؤوب وبلا كلل من أجل السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط".

وكان الديوان الملكى السعودى قد أعلن أنه سيصلى على الأمير سعود بالمسجد الحرام بمكة المكرمة بعد صلاة العشاء اليوم السبت.

وقد توفى الفيصل بعد شهرين من تركه منصب وزير الخارجية الذى شغله ٤٠ عاما منذ عام 1975، ليصبح أقدم وزير للخارجية فى العالم، حيث عاصر أربعة ملوك سعوديين، إلى أن حل محله عادل الجبير الذى كان سفيرا للرياض فى واشنطن.

أمريكا.. الدراسة والوفاة

حصل الأمير سعود الفيصل على شهادة البكالوريوس فى الاقتصاد من جامعة "برنستون" فى ولاية نيوجيرسى بالولايات المتحدة عام 1964، وعاد إلى السعودية ليتقلد أول منصب، مسؤولًا عن العلاقات النفطية فى شركة "بترومين"، ثم عضوًا فى لجنة التنسيق العليا التابعة لوزارة النفط والثروة المعدنية، فمستشارًا اقتصاديًّا للوزارة ذاتها، وبعدها عين وزيرا للنفط والثروة المعدنية منذ عام 1971 ولمدة 5 أعوام.

وفى عام 1975، تولى الأمير سعود الفيصل منصب وزير الخارجية، حتى أعفى عنه فى أبريل الماضى لأسباب صحية، حيث كان الديوان الملكى السعودى قد أعلن فى 25 يناير الماضى، أن الفيصل خضع لجراحة ناجحة فى العمود الفقرى فى لوس أنجلوس الأمريكية، وهى المدينة التى مات فيها.