أكاديميون وباحثون: سيد البحراوى مبدع مجدد وناقد اجتماعى رفيع المستوى
لا تجد إجماعا على أحد من أساتذة النقد الأدبى، مثلما تجده على الدكتور سيد البحراوى، أستاذ الأدب العربى بآداب القاهرة، والذى تعد إسهاماته فى مجال الكتابة والنقد والإبداع مهمة للغاية تتمتع بروح الفنان المبدع، الذى يسعى لاكتشاف الجمال.
ويقول الباحث العراقى والناقد، قحطان الفرج الله، إن البحراوى كان مهتمًا بالعناصر الثقافية المشكلة للوعى الفكرى وارتباطها العضوى بالحياة الاجتماعية.
ويضيف قحطان لـ"مبتدا": أن اشتغال البحراوى التنظيرى لمفهوم التبعية الذهنية من أهم الاشتغالات العربية، على مستوى طرح نظرية عربية مساهمة فى مجال النقد العربى الحديث، وغالبا ما يعتمد النقاد، فى بلدان العالم الثالث، إلى إلقاء المسؤولية فى المشاكل الهامة، التى تعترض المفكرين فيها على العنصر الخارجى، أى على الظرف الموضوعى، فالاستعمار والإمبريالية هما الحصانان الرئيسيان اللذان يمتطيها الفكر النقدى عندنا، ولا شك أن لهذين العنصرين أهمية بالغة فى خلط الأوراق على جميع الصعد، وفى إعاقة مسيرة الفكر والحضارة.
ويتابع قحطان، "لكن البحراوى فى محاولته الجادة ركب حصانا آخرا "حصان الظرف الذاتى والمسؤولية الداخلية" فانطلق من الواقع إلى النظير لا العكس واعيا لأهم نقاط الإخفاق بأن اضمحلال المساهمات التنظيرية العربية ليس سبب تأخرنا فى ميدان العلوم الاجتماعية، بل هو نتيجة موضوعية لعدم تعاطينا جديًا مع المسألة النظرية، فعملية تسليم العقل إلى آليات التبعية والانقياد المطلق للتقدم الهائل فى دول الغرب حجم منطقة النظر إلى ما تحت الأقدام، فصار العربى منقادا دون وعى إلى الشعارات العريضة المستوردة، باحثا لها عن حاجة قد يخلقها من العدم فى كثير من الأحيان، مما تسبب هذا إلى الوقوع فى فخاخ التلفيق فى استخدام الكثير من النظريات الغربية، وهذا يعود لسبب بسيط أيضا، أننا نجهل آليات وظروف إنتاج هذه الأفكار على مستواها السوسيولوجى.
واستطرد بأن مساهمة البحراوى فى البحث عن المنهج تعد واحدة من أهم المساهمات فى العصر الحديث، التى يجب أن تسلط عليها الأضواء لأنها كاسرة لنمط التفكير الجاهز.
اقرأ تلاميذ سيد البحراوى يحكون عن «الإنسان» و«الصديق» و«المعلم»

ويقول الناقد عماد الدين عبدالهادى، إن البحراوى يدعو دائمًا إلى التجديد، وكانت هذه مشكلته مع المثقف العربى، حيث إنه يرى أن المثقفين العرب كلاسيكيون، لا يسعون إلى تجديد آليات تفكيرهم، وتحدث البحراوى كثيرًا عن هذه المشكلة.
أضاف عماد لـ"مبتدا" أن البحراوى يرى تجربة المغرب العربى جيدة فى الثقافة والنقد، مرجعًا ذلك إلى التأثر بالاستعمار الأجنبى، فكان دائمًا البحراوى ينادى بالتجديد والتحديث، لتواكب الثقافة العربية العصر.

ويقول الدكتور عماد عبداللطيف، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بآداب القاهرة، إن هناك وجوه متعددة للدكتور سيد البحراوى، بتعدد أدواره الثرية التى قام بها فى حياته القصيرة، فهناك وجه البحراوى الأستاذ، ووجه الناقد، ووجه الكاتب، ووجه الفنان التشكيلى، ووجه الصديق، والزميل، وغيرها، ومن بين هذه الوجوه العديدة، أود أن أتوقف أمام الوجه الذى أراه أكثر قدرة على إضاءة شخصيته ككل، أعنى وجه البحراوى المناضل.
وأضاف عبداللطيف، لـ"متبدا" أن البحراوى عُرف بوصفه مثقفًا يساريًا، يتخذ مسافة من الأنظمة الشمولية، ومثّل لسنوات طويلة أحد أكثر المفكرين نقدًا للممارسات الاستبدادية فى المجتمعات العربية المعاصرة، وكان كتابه (الحداثة التابعة فى الثقافة المصرية) نقدًا مؤلمًا للدور الذى لعبه المثقفون فى ترسيخ واقع الاستبداد العربى، وتجاوز دور البحراوى تقديم رؤى معرفية لبنية أنظمة القهر العربى، إلى المساهمة فى أنشطة مؤسسات شرعية تسعى لدعم الحرية والاستقلال، فكان عضوًا مؤسسًا لأهم حركة جامعية فى العقدين الأخيرين، أعنى حركة 9 مارس التى جعلت من قضية استقلال الجامعات هدفًا ساميًا لها، وكان إسهامه وافرًا فى أنشطة الحركة المتمثلة فى مساندة الأفراد والمؤسسات التى تتعرض لأشكال من التمييز.
واستطرد عماد، أن وجه البحراوى المناضل يكتمل باستحضار موقفه الثابت من القضية الفلسطينية، فقد كان داعمًا صلبًا لحقوق الفلسطينيين فى مقاومة الاحتلال، وتأسيس دولتهم وامتلاك إرادتهم السياسية، وشارك فى عدد وافر من الفعاليات تضامنًا مع آلام الفلسطينيين، وكان هذا الانحياز للضعفاء والمقهورين ومسلوبى الحق ينسجم تمامًا مع تصوره لكينونته بوصفه مناضلا، وهى الكينونة التى أراها الأقدر على فهم حياته، وإبداعه معًا، وأظن أن وجه البحراوى المناضل يحتاج إلى دراسات وكتابات شتى.
نرشح لك أول نوفمبر.. حفل تأبين الدكتور سيد البحراوى بآداب القاهرة
سيد البحراوى المفرد فى صيغة الجمع
ويقول الناقد الدكتور ممدوح فرّاج النابى، إنه يصعب اختزال الدكتور السيد البحراوى عند الكتابة عنه فى صورة واحدة، فالبحراوى عصى على الاختزال فى شىء واحد، وبالأدق هو ضد التصنيف والاختزال، بل هو كل متكامل يتداخل مع بعضه ليكون فى النهاية البحراوى الذى نعرفه.
وأضاف لـ"مبتدا"، أنه لا يمكن فصل شخصيته ومواقفه النضالية عن أزمة أبطاله فى رواياته، فهم شخصيات من لحم ودم نتاج هذه الثقافة العربية، بإشكالياتها السياسية المتأزمة، التى تنعكس على أفرادها ومن ثمّ هم تمثيل صادق للاغتراب والقهر والسلبية أحد سماتهم فى مواجهة أزماتهم، حتى اختياراته لموضوعاته العلمية لم تك عشوائية، وإنما عن قصد وبعناية، فكل شخصية من هذه الشخصيات حاملة لموقف إيديولوجى.
وأشار إلى أن البحراوى، يتوافق مع القضايا التى يتبناها، ومن ثمّ يعدهم صوته الذى يقاوم به كل الأزمات والإحباطات والهزائم أيضًا، فصورة البحراوى المناضل السِّياسى تتوازى بمنعى آخر مع صورة الباحث عن الحقيقة والعدالة، التى هى بمثابة البحث عن لؤلؤة المستحيل، ومن ثم فهى صور ممتدة مارسها طيلة حياته، على كل المستويات.
وكان يرى أن التبعية الذهنية وصمة عار فى ثقافتنا، ومن ثم يردُّ كلَّ الانتكاسات إليها، وهو ما ينذر برؤية تشاؤمية، والبحراوى هو صاحب النظرية النقدية العربية الوحيدة ذات الإطار المنهجى، والتى طبّقها فى كتابه الرّائد «محتوى الشكل فى الرواية العربيَّة».

إن أعمال البحراوى مُتعدِّدة ما بين الإبداعية والنقدية والفكرية، لكن على تعددها فثمة ما يربط بينها، ويجعل منها بنية واحدة، ويتمثل هذا الرابط فى أنها تنبع من موقف جمالى يتبناه البحراوى فى كتاباته إزاء العالم المشوه الذى يحيط بنا.