العرب

انتهى الحديث عن الانتماءات الزمانية للشخصية المصرية، وبقى لدينا الحديث عن الانتماءات المكانية، والتى أوردها المفكر المصرى ميلاد حنا، فى كتابه "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، والذى اتخذه القائمون على منتدى الشباب العالم محورًا لمناقشته.

العامود الخامس: الانتماء العربى

ربما يتقاطع الانتماء الإسلامى مع العربى فى بعض الأمور، لا سيما بعد ظهور الإسلام، إلا أن ميلاد حنا يؤكد أن العلاقة بين مصر والعرب "سكان شبه الجزيرة العربية" سابقة بقرون على ظهور الإسلام.

ويشير ميلاد حنا، إلى أنه فى أوائل عصر الأسر دخل العرب إلى مصر بأعداد كبيرة، عن طريق ساحل إريتريا واستقروا بها، كما أن المصريين الذين عبدوا الإله "حورس" كانوا من العرب، إضافة إلى أن المؤشرات تؤكد أنه فى حدود العام 2000 قبل الميلاد كان العرب أغلبية فى منطقة الصحراء الغربية والشاطئ الأعلى للنيل، بل واستوطنوا جبال سيناء، والمنطقة الصحراوية الممتدة بين مصر وفلسطين.

لقد استطاعت مصر أن تصهر جميع الأعمدة والانتماءات التى تحدثنا عنها من قبل، وخصوصاً العربية والإسلامية، حيث أصبح نتيجة هذا الانصهار سبيكة واحدة متجانسة نظراً للعمق التاريخى والجغرافى.

ويرى حنا، أن الحديث عن النقاء العرقى فى مصر هو حديث سخيف وغير مقبول فى الأساس، لأن الواقع يدحضه، الواقع الذى يمتزج فيه كل هذه الانتماءات، سواء ما تحدثنا عنها، فرعونية ويونانية رومانية وقبطية وإسلامية، أو الذى نحن بصدد الحديث عنه الآن وهو الانتماء العربى، أو الذى سنتحدث عنه بعد ذلك، حيث ذابت كل العناصر وكل الانتماءات، وتولدت شخصية مصرية تحمل بعض الملامح أو الخلفيات أو الانتماءات من هنا وهناك.

اللغة أيضاً هى إحدى الرقائق التى لها دور مهم فى تشكيل الشخصية المصرية، وخصوصاً مع دخول العرب إلى مصر، حتى على الرغم من تقهقر اللغة القبطية التى كانت سائدة وقتها، ويرى حنا أيضاً أن مصر نقلت إلى العربية بعض الكتب القبطية التى تناولت البحث فى الكيمياء والصناعة، كما قام قبط مصر بالدور الأساسى فى بناء الأسطول العربى، وذهب عدد من العمال القبط إلى الشام فى العصر الأموى، واستعانوا بهم فى بناء مسجد دمشق، بل والمسجد الأقصى ذو المكان والمكانة الكبيرة فى قلوب المسلمين فى كل الأقطار، وكذلك إعادة بناء المسجد النبوى فى المدينة المنورة، وهو أيضاً ذو مكانة كبيرة فى قلوب المسلمين.

المصريون قبلوا اللغة العربية، وبرع الأقباط فى إتقانها وحتى الآن، ولذا فإننا عندما نؤكد أن مصر شعباً واحداً لا تكون مفتعلين أو نلوى ذراع الحقيقة، فمن غير المستطاع التفرقة بين مصرى وآخر، لا من ناحية حجم الجمجمة أو الشكل أو العرق أو المظهر الخارجى، ولا من ناحية اللغة واللكنة أو التكوين الثقافى والنفسى، فالنكتة التى تضحك القبطى هى ذاتها تضحك المسلم.

عاشت مصر وما زالت تعيش فى حالة من الديمقراطية لا مثيل لها مع بقية الأمم التى اختلطت فيها الأعراق والثقافات والانتماءات، وخصوصاً الأمم التى تربطها بمصر حدود جغرافية. تلك الحالة التى أرساها التواجد العربى فى مصر مع الفتح العربى. وهو ما يعتز به المصريون طوال تاريخهم، وحتى الآن.

ربما لم يتأثر المصريون بالعادات العربية، بل العكس، فإن كثيراً من العرب تطبعوا ببعض طباع الشعب المصرى، طوال تاريخه. كذلك لم يؤثر العرب فى الفنون والآداب والثقافة والفكر، بل كان العكس هو الصحيح، لما تمتلكه مصر من ذائقة إبداعية فكرية يصعب إهمال دورها.