السادات

مائة عاما على ميلاد رجل الانتصارات، محمد أنور السادات الذى خاض أحد ملاحم البطولة التى سطرها الجيش المصرى، بعد أن نجح فى أن يخدع العدو على جبهات مختلفة، بخطة محكمة، رغم الضغوط الداخلية والخارجية، التى واجهها.

وإحقاقا للحق فإنه لم يختلف أحد على دهاء وحكمة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذى أدار معركة النصر فى حرب أكتوبر المجيدة، بغرفة عمليات، لا زالت أسرارها قادرة على إبهار العالم حتى الآن، وإن كان من الانصاف أن يصف الرئيس الأمريكى الراحل رونالد ريجان السادات بأنه "رجل شجاع له رؤيته وحكمته التى جمعت بين الأمم والشعوب، فى عالم ملىء بالكراهية.. لديه أمل فى عالم محاصر بعداءات الماضى.. لديه الرؤى إلى تحسين عالم يعذبه الخبث والتفاهة"، فمن الطبيعى أن يوقع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قانونا يمنح بموجبه السادات، الميدالية الذهبية فى الكونجرس الأمريكى بعد وفاته تقديرا لإنجازاته البطولية ومساهماته فى السلام بالشرق الأوسط.

ويشير القانون الذى وقع عليه ترامب فى الكونجرس الأمريكى إلى أن "السادات معترف به فى الولايات المتحدة وفى جميع أنحاء العالم كزعيم محترم وبطل سلام قدمت رؤيته خارطة طريق للحل السلمى للصراع فقد تواصل بشجاعة مع إسرائيل وكرس حياته من أجل السلام، وتعزيز الأمن القومى لمصر واستقرار الشرق الأوسط".

عبقرية السادات

"بطل الحرب وصانع السلام" لقب بعدة ألقاب أهمها "بطل الانتصارات" لنظرا لأنه صاحب توقيت حرب 6 أكتوبر، وهو القرار الذى اتخذه بعد تدابير مدهشه مكنته من الفوز، وجعل شخصيته العسكرية تدرس فى كل المدارس العسكرية فى العالم، ويرجع ذلك لعبقريته التى أشاد بها العالم أجمع حتى العدو الصهيونى نفسه أشاد بحكمته على لسان قادة الاحتلال.

تكمن حكمة السادات فى التفكير السليم والاستفادة من الدروس السابقة، فقد أقنع العالم أجمع أن مصر لا تستطيع الدخول فى الحرب، خصوصا بعد رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرة السلام التى عرضها مندوب الأمم المتحدة للشرق الأوسط (يورى كارين) والتى كان قد وافق عليها، لكن فى ذلك الوقت نزل الشارع الآلاف من الطلاب المصريين المتظاهرين ضد سياساته بالمفاوضات مع الإسرائيليين والتى بائت بالفشل.

سبل النجاح

وأمام غضب شعبه ورفض الإسرائيليون التفاوض قرر السادات علنا تغيير استراتيجيته، فقد شعر بأن لديه ما يكفى من القوه لشن حرب كبرى لا تستهدف أهدافا عسكرية محدودة، بل حرب من شأنها أن تغير المعادلة العسكرية على الأرض بأسرع وقت ممكن، وكان على علم تام بأن عليه قبل أن يخوض تلك الحرب أن تتوفر لديه سبل النجاح قبل عملية التنفيذ، وكانت سبل النجاح تلك تتلخص بعدة عوامل تتطلب تأمينها ومنها:

-التسليح وكان الاتجاه المصرى نحو السلاح الروسى لكونه سلاحا متطورا ويوازى بفعاليته السلاح الأمريكى الذى تتسلح به إسرائيل.

-الدعم العربى والسوفيتى بغرض مجابهة الدعم الأمريكى والأوروبى لإسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

-المشاركة بالهجوم من دولة أخرى، من خلال مشاركة سوريا فى الحرب ولنفس الغرض (تحرير الأراضى المحتلة إسرائيليا من حرب 67) ومن أجل فتح جبهتين بدلا من جبهة واحدة ضد إسرائيل .

-المعلومات الإستخباراتية حول ما هو خط بارليف؟ وما هى درجة تحصينه؟ وما هى عيوبه وكيف يمكن اختراقه ؟

-تحقيق عنصر المفاجأة، لأنه لو علمت إسرائيل بخطة الهجوم المصرية، الإسرائيلية تلك فسوف تقوم بضربة جوية استباقية، كما فعلت فى حرب 67، وينتهى معها كل أمل على تحرير الأراضى العربية المحتلة

-التخطيط المحكم لخطة الهجوم، إن ذلك العمل الهجومى ليس بالأمر السهل، وإنما فيه درجة كبيرة من الخطورة وخاصة أن إسرائيل عدو ليس بالسهل ولديه تقنية عالية وسلاح حديث وجيش متدرب متدرب تدريبا جيدا ،وتتوفر لديه معلومات استخبارية دقيقة .

-الاستعداد القتالى المتكامل، من خلال التدريب والتسليح والتجهيز والإعداد، بحيث يكون على أعلى مستوى وبما يلائم حجم المهمة الصعبة جدا.

خطط الخداع

فى يوليو 1972، زار الرئيس الراحل أنور السادات المخابرات العامة وبصحبته قائد الجيش ومستشار الرئيس للأمن القومى ورئيس المخابرات العسكرية، وقتها دعا السادات كل رؤساء وقيادات الأقسام بالجهاز لاجتماع طارئ دام لأكثر من 5 ساعات، أكد فيه السادات أن إسرائيل تتفوق من الناحية العلمية والتكنولوجية التى تسمح لها برصد كل تحركات القوات، فى الداخل والخارج والحل الأمثل هو اللجوء إلى خطة خداع استراتيجى للإيقاع بالعدو، وبناء عليه تم تكليف المخابرات العامة برئاسة المشير أحمد اسماعيل الذى تم تعيينه لاحقا بعد وضع الخطة لرئاسة المخابرات الحربية، ليتولى تنفيذها على أرض الواقع بالتعاون مع كافة أجهزة الدولة.

وبناء على تلك التكليفات ونظرا لقدم فكرة خطط الخداع وعدم حداثتها حيث جرى تنفيذها على مر العصور، تم الاستعانة بفرع التخطيط بهيئة العمليات، الذى بدوره قام بدراسة كل خطط الخداع التى تمت فى معارك سابقة وتكليف مجموعة من الضباط من أسلحة مختلفة بالتخطيط لعملية الخداع.

وتم تقسيم محاور خطة الخداع الاستراتيجى الخاصة بحرب أكتوبر بحيث تشمل الجانب الإعلامى والاقتصادى والسياسى أيضا، فعلى سبيل المثال تم تسريب معلومات للجانب الإسرائيلى، مفاداها أن مصر ستبدأ إجراء مناورات شاملة وليس حربا فى الفترة من 1 وحتى 7 أكتوبر.

وفى يوم 9 أكتوبر تم تسجيل الضباط الراغبين فى تأدية مناسك الحج، وكذلك تنظيم دورات رياضية عسكرية مما يتنافى وفكرة الاستعداد للحرب، والإعلان عن السماح لسائر المصريين بالسفر لتأدية الشعائر نفسها مما جعل إسرائيل تظن أن مصر لن تخوض حربا وأنه لن يحدث أى هجوم من قبل جيشنا على قواتها.

واعتمد نجاح خطة الخداع الاستراتيجيى التى تم اتباعها فى الحرب على عنصر فى غاية الأهمية، وهو أن جزءا من خداع العدو يكمن فى خداع الجيش المصرى نفسه وتضليله بمعنى إخفاء ساعة الصفر والتعامل معها فى غايه السرية وعدم إعلانها إلا قبل الحرب بوقت قليل، وإلغاء أيه أعمال للتخطيط والاستطلاع التى تسبق الحرب حتى لا يتم الكشف للجيش الإسرائيلى عن نوايا مصر لاتخاذ قرار الحرب قريبا.

وقبل نشوب الحرب بخمسة أو ستة أشهر، تم التنسيق بين جهات عدة وهى وزارات الإعلام والخارجية والدفاع لتطبيق خطة الخداع حيث تم نشر أخبار سلبية عن الوضع الاقتصادى وتصدير فكرة أن مصر لا يمكنها خوض أى معارك، وليس أمامها خيار آخر سوى القبول بحالة السلم، وعلى الصعيد السياسى تم إعداد خطة حرب بسيطة وشاملة بالتنسيق مع الجانب السورى، مع الأخذ فى الاعتبار إمكانية أحداث أى تغيير مع بداية الحرب مباشرة.

وبتتبع المسار الزمنى لخطط الخداع أنها بدأت قبل الحرب بعدة أشهر فمثلا فى يوليو 1972 صدر قرار بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967 وكان كثير منهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية وفى مواقع خلفية، وفى الفترة من 22 وحتى 25 سبتمبر تم الإعلان عن حالة التأهب فى المطارات والقواعد الجوية بشكل دفع إسرائيل لرفع درجة استعدادها تحسبا لأى هجوم، ولكن أعلنت القوات المصرية بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتينى، واستمرت القوات المصرية تطلق تلك التدريبات والمناورات من وقت لآخر حتى جاءت حرب أكتوبر وظنت إسرائيل فى بدايتها أنها مجرد تدريب أيضا ولم تكن مستعدة لها.

وفى يوم 5 أكتوبر عام 1973 اجتمع هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى وقتها، بنظيره المصرى الدكتور محمد حسن الزيات ليتبادلا الحديث حول مبادرة السلام التى كان الأول بصدد التفكير فيها بعد الانتخابات التشريعية فى إسرائيل التى كان مقررا لها أن تجرى فى نهاية الشهر نفسه، ومرت الجلسة فى سلام وجو هادئ ولم يدرك كسينجر الأمر إلا بعد الحرب، عرف أن الدكتور محمد الزيات قد نفذ خطة الخداع على أكمل وجه، وفى اليوم نفسه أيضا تم الإعلان عن زيارة قائد القوات الجوية وقتها اللواء حسنى مبارك إلى ليبيا، ثم تقرر تأجيلها لعصر يوم 6 أكتوبر، كما وجه المشير أحمد إسماعيل دعوة لوزير الدفاع الرومانى لزيارة مصر فى 8 أكتوبر وأعلن أنه سيكون فى استقباله بنفسه.

وفى صباح يوم الحرب نفسه 6 أكتوبر 1973، شوهد الجنود وهم فى حالة استرخاء وخمول، يقضون وقتهم فى مص القصب وأكل البرتقال، لكن فى ظهر اليوم أتخذ السادات القرار الذى اعتبره الكثير من المؤرخين والخبراء من أقوى القرارات التى مرت على مصر، فقد أستخدم عبقريته المصرية فى توقيت حرب 6 أكتوبر الذى تزامن مع يوم عيد الغفران عند اليهود، ونجح فى تحقيق العبور العظيم.

قرار العبور

وفى ذلك اليوم بدأ القتال بعبور طائراتنا الخطوط الأمامية للعدو شرق القناة والبدء فى تنفيذ الضربة الجوية المفاجئة بقوة 250 طائرة ضد أهداف العدو فى سيناء، والتى تضمنت ثلاثة مطارات وقاعدة جوية وعشرة مواقع صواريخ هوك، وثلاثة مراكز قيادة وسيطرة واعاقة الكترونية وبعض محطات الرادار وموقعى مدفعية بعيدة المدى وثلاث مناطق شئون إدارية، كما شمل الهجوم الجوى المصرى ضرب حصون خط بارليف شرق بور فؤاد، وقد نجحت هذه الضربة الجوية تماما، وكانت الخسائر فيها محدودة للغاية.

وكان اتخاذ قرار "العبور" ضرورة تاريخية وسياسية وعسكرية لا مفر منها، لعدة أسباب.

1- فرض إسرائيل سياسة الأمر الواقع على العرب وتكريس احتلالها للأراضى العربية، وامتناعها عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يقضي بانسحابها من الأراضى التى احتلتها فى 5 يونيو 1967، ولذلك كان لابد من تحرير الأراضي العربية التى احتلتها إسرائيل وإزالة آثار العدوان بالقوة.

2- إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي فرضت على المنطقة في ظل سياسة الوفاق بين القوتين العظميين (أمريكا والاتحاد السوفيتى، والتى كانت تمثل ضغطا نفسيا على الشارع العربى، ينعكس بدوره على صانع القرار السياسى).

3- لرد كرامة الجندى المصرى والعربى، وتغيير النظرة للجيوش العربية بأنها غير قادرة على الحرب الحديثة، والتأكيد على أن القوات المسلحة المصرية كانت من ضحايا النكسة ولم تكن من أسبابها، وهو ما أكد عليه الرئيس السادات فى خطابه أمام مجلس الشعب أثناء الحرب فى 14أكتوبر 1973.

4- إنهاء حالة التفوق العسكرى الإسرائيلى على العرب نتيجة لقيام الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة وفى التوقيتات التي تضمن لها التفوق الدائم، وكسر حدة التفوق الإستراتيجى العسكرى الإسرائيلى الناتج عن اتخاذه حواجز طبيعية كموانع بينه وبين الجيوش العربية عقب حرب 1967 حيث احتل مرتفعات الجولان السورية شمالا ونهر الأردن شرقا ووصل للضفة الشرقية لقناة السويس جنوبا.

5- فشل محاولات إقناع إسرائيل بالعدول عن موقفها العنيد بالتمسك بالأراضى التى سلبتها فى حرب 1967، رغم ميل مصر إلى الحل السلمى منذ البداية.