إفريقيا والعرب.. تلاقى الأشقاء يعيد صياغة السياسات العالمية
بدأت المنطقة العربية أخيرًا فى لملمة جراحها بعد انتهاء تيارات جارفة لما عرف اصطلاحًا بـ"ثورات الربيع العربى"، لتصبح أبرز الملفات المطروحة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا هى التلاحم العربى ـ العربى، وبالتوازى معه التلاحم العربى ـ الإفريقى، فى محاولة لإعادة تأسيس العلاقات العربية الإفريقية بما يضمن تحقيق الأمن القومى للجانبين على حد سواء، الأمر الذى يعيد تشكيل خارطة السياسات العالمية.
وفى الواقع، فإن التحولات الاقتصادية التى ألقت بظلالها القاتمة على الاقتصادات الإفريقية، وزادت الصراعات العرقية والحروب الأهلية، وأدت إلى انتشار آفات الفقر والجوع والمرض، وما تبعها من تحويل القارة إلى بؤر خطيرة للتوتر، يؤكد أهمية النظر إلى إفريقيا بعين جديدة، كبعد هام وخطير من أبعاد الأمن القومى العربى وتأسيس خارطة عالمية جديدة تقوم على احترام حقوق جميع البشر فى الحياة، مثلهم فى إفريقيا مثل سكان أوروبا وغيرها من دول الغرب المتقدم.

مصر.. دور تاريخى وحضارى يفرض نفسه
وانطلاقًا من مسؤوليتها التاريخية والسياسية بين المحور العربى والإفريقى، تنبهت الإدارة المصرية سريعًا لأهمية ذلك التلاحم، وهو ما برز بوضوح فى مؤتمر الشباب بأسوان، والذى حمل عنوان التكامل العربى الإفريقى، فمصر بمكانتها المحورية والرائدة عربيًا، ومكانتها الإفريقية كرئيس للاتحاد الإفريقى رسميًا يعطيها تلك المساحة التاريخية والحضارية لتبقى قلب التلاحم بين العرب والإفارقة دون غيرها.
وتنطلق مصر صوب تنمية القارة السمراء، وقد اتخذت مبدأ تكافؤ الفرص، فالدولة المصرية لديها العديد من المشروعات الاستثمارية والأيدى العاملة الخبيرة إضافة إلى رجال أعمال كثُر، فيما تمتلك القارة السمراء أيضًا استثمارات ومشروعات تحتاج إلى خبرتنا الواسعة فى تنفيذها، ولعل السد التنزانى الذى وقعت شركة "المقاولون العرب" عقد إنشائه خير دليل على ذلك.
وتمثل أجندة 2063 إطارًا استراتيجيًا للتحول "الاجتماعى - الاقتصادى" بالقارة خلال الـ50 عامًا، حيث تتبنى رؤية جديدة للتنمية تعزز من قدرة الأفارقة على استخدام الموارد المتوافرة بشكل كامل وفعَّال لتنميتها، وتتضمن مبادرة الـ50 عامًا العديد من الأهداف، إلا أن الهدف الرئيسى هو أن تنعم إفريقيا بالسلام تحت قيادة قُواها الوطنية.
وفى غضون مؤتمر أسوان الذى أقيم يومى 16 و17 مارس الماضى، تأتى محاولات إنعاش الحوار العربى الإفريقى، إلا أن الترابط والتلاحم هذه المرة يأتى على أسس علمية، ووفق مصالح ترابط اقتصادية، وبقناعات أمنية حقيقية بأن البعد الإفريقى جزء من تشكيل الأمن القومى العربى، وأن الاستقرار العربى هو الضمانة الحقيقية لتنمية إفريقيا وحمايتها من انتشار تلك الجماعات المتطرفة والانشقاقية فى أعماق إفريقيا، وهو مازال الجزء الأكبر والأهم من معاناة القارة السمراء.

أجندة مصر فى رئاسة الاتحاد الإفريقى
وانطلاقا من مسؤولية رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى، تعد مصر ورقة للتنسيق مع مفوضية الاتحاد الإفريقى وأمانة الجامعة العربية، لتطرح على القمة العربية الإفريقية المقبلة تضمن مقترحات فى المجالات الثلاث التالية:
- إنشاء سوق عربية إفريقية مشتركة.
- إنشاء صندوق لتمويل بنية التواصل الإفريقى فى مجالات الطرق والكهرباء، والسكة الحديد لتعزيز الاندماج القارى.
- إنشاء آلية "عربية - إفريقية" لمكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار.
إضافة إلى قيام وزارة التعليم العالى بالتنسيق مع الأكاديمية الوطنية بدعوة الشباب لتأسيس مجلس التعاون بين الجامعات العربية والإفريقية، ليكون منصة فاعلة لتعزيز التعاون العلمى والثقافى.

محاولات لم تكتمل
وفى الحقيقة ليست هذه هى المحاولة الأولى للتكامل العربى الإفريقى، فقبل عقدين من الزمان تقريبًا كانت محاولات العقيد الليبى معمر القذافى لبناء محور عربى إفريقى فى محاولة لإعادة ترتيب العلاقات الإفريقية فى الجوار الليبى، لاسيما التشاد التى كانت له معها حروب ونزاعات تورطت فيها جهات خارجية على رأسها فرنسا، فاهتدى الرئيس الليبى حينذاك لإقامة محور إفريقى يجمع تشاد ومالى والنيجر والجابون والجماهيرية الليبية، تحت مظلة إسلامية، إلا أنها كانت بالأساس محاولة لنزع ذلك التطويق والحصار المفروض على ليبيا، إلا أنها بقيت محاولات دون أطر اقتصادية أو تعاون يحميها ويبقيها، وربما تكون اقتصرت على زيارات، وهو ما جعلها كأن لم تكن بسقوط نظام الرئيس الليبى فى 2011.
مواجهة الاستهداف الإسرائيلى فى إفريقيا
وتأتى المحاولات واليقظة العربية لإفريقيا أخيرًا بعد صراع من دول الغرب على القارة البكر بثرواتها، فهناك فرنسا التى تنظر إلى منطقة الشمال الإفريقى كمركز لنفوذها التقليدى وإرثها الاستعمارى، رغم حركات التحرر، والمنافسة الأمريكية على النفط الإفريقى، هذا بالإضافة إلى الصين التى بدأت مشروعها الضخم لأجل بناء وترسية قواعدها فى إفريقيا، بمشروع "الحزام والطريق" الذى أطلقته خلال السنوات الماضية.
ويعتبر واحدًا من الملفات المهمة التى تواجه العرب فى إفريقيا مواجهة الاستهداف الإسرائيلى للقضية الفلسطينية والأمن القومى العربى فى عمق البلدان الإفريقية، وهو الأمر الذى استرعى انتباه القادة العرب فى القمة العربية الأخيرة فى تونس، ليؤكدوا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الجامعة على المستوى الوزارى رقم 8231 "د . ع 149"، بشأن مواجهة الاستهداف الإسرائيلى للقضية الفلسطينية والأمن القومى العربى فى إفريقيا، وتنفيذ إعلان فلسطين الصادر عن قمة مالابو العربية الإفريقية 2016.
وشددوا، على ضرورة تعزيز العمل مع الاتحاد الإفريقى لدعم القضية الفلسطينية وقراراتها فى المحافل الدولية والتصدى لأية محاولة إسرائيلية للالتفاف على مكانة قضية فلسطين فى إفريقيا، والتى بنيت على القيم المشتركة المناهضة للاستعمار والاضطهاد والفصل العنصرى.
وحذر القادة العرب، من إقامة مؤتمرات إسرائيلية إفريقية، وحثوا الدول الإفريقية على عدم المشاركة بأى منها، مؤكدين على أهمية استمرار اللجنة فى عملها لمواجهة المخططات الإسرائيلية فى القارة الإفريقية، والطلب منها بمواصلة متابعة تنفيذ الخطة المعتمدة فى هذا الشأن.
من هذا المنطلق يبدو أن المجال الطبيعى لإعادة الدفء إلى محور العلاقات العربية - الافريقية، يحتم النزوع نحو ترتيب هذه العلاقات وفق توجهات جديدة، بتفعيل دور منظمة الوحدة الإفريقية، والانطلاق من الملفات الاقتصادية كأساس لعلاقات تنموية مستدامة.

محددات جغرافية مشتركة
وعلى الأرض، هناك محددات جغرافیة تربط قارة إفریقیا بالمنطقة العربیة، ويمكن بناء تلك الروابط فى ثلاث محددات رئيسية، وهى:
** الهجرات: تجاور إفریقیا غرب آسیا، وهى المنطقة التى تقع عليها الجزیرة العربیة، ولا یفصلها عنها إلا البحر الأحمر، ومضیق باب المندب وبرزخ السویس، وهى معابر سهلة تقود الحركة من وإلى الجزيرة العربية، وبسبب الاتصال القريب بين القارتين تحركت الهجرات القديمة شرق إفريقا قديمًا، لا سيما بين إثيوبيا والجزيرة العربية، وكانت حركة مستمرة دون انقطاع، ترتبط أيضًا مع وادى النيل، وهو ما أحدث تمازجًا سكانيًا وخصائص عربية وإفريقية متشابهة.
وحديثًا، فطنت السعودية والإمارات للمحاولات الإيرانية لاستئجار جزر إريترية للاستخدام العسكرى، فأسرعت السعودية لبناء قاعدة عسكرية لها فى جيبوتى، الدولة المطلة على الجانب الغربى من مضيق باب المنتدب، لتأمين المضيق الذى يوصل نفطها إلى العالم.
وبدأت التحركات السعودية نحو جيبوتى بمنحة 5 زوارق بحرية سريعة ومتطورة قدمتها لجيبوتى، وبالفعل ساهمت جيبوتى كثيراً فى نجاح عمليات السفن والبوارج العسكرية لقوات التحالف العربى فى تحرير جزيرة ميون اليمنية من سيطرة الحوثيين، فاستعادوا السيطرة على مضيق باب المندب، واستلمته قوات الجيش الوطنى اليمنى الذى وصل هناك عبر جيبوتى.

** التجارة: كان التجاور العربى الإفريقى واندماج نسيج القارتين عاملاً مهمًا لرواج التجارة بين قارة إفریقیا وغرب الجزیرة العربیة منذ عهود طويلة، كما أن عامل المناخ ساعد على رواج حركة التجارة ببن جنوب الجزيرة العربية وشرق إفریقیا وجنوب آسیا، حيث استغلال ریاح "المونسون" الریاح الموسمیة التى تتحرك شمالاً فى الصیف فتدفع السفن من سواحل إفریقیا الشرقیة إلى جنوب الجزیرة وجنوب شرق آسیا وتعود فى الشتاء دافعة السفن من سواحل غرب شرق آسیا وجنوب الجزیرة العربیة إلى سواحل شرق إفریقیا – وهذا یرتبط برحلة الشتاء والصیف فى داخل جزیرة العرب التى تروح شمالاً فى الصیف وتغدو شتاء إلى الجنوب.
كما كانت حركة التجارة التى تتم فى شرق إفریقیا عبر المحیط الهندى تربط وسط وجنوب إفریقیا بجزیرة العرب وجنوب شرق آسیا، فقد كان العرب هم وسطاء التجارة بین إفریقیا وشرق آسیا، كما كانت السفن العربیة هى أسطول التجارة بین ممالك وسط إفریقیا (زمبابوى) والصین. كل هذا الاتصال تم من أقدم العصور حتى دخول البرتغالیین شرق إفریقیا فى القرن السادس عشر المیلادى حیث بدأ الأمر یتغیر شیئاً ما.

شراكات عربية واستثمارات صديقة فى إفريقيا
وتطمح القارة الإفريقية نفسها إلى الاستثمارات العربية، فقد اعتبر جان بينح، رئيس الاتحاد الإفريقى السابق، أن الاسثمارات العربية هى أفصل وسيلة لتخفيف حدة الفقر والتوترات، للحفاظ على أمن وسلامة المجتمعات الإفريقية وتحقيق النمو بها، وينظر الكثير من أبناء القارة السمراء إلى الاستثمارات العربية على أنها استثمارات شريكة لا أطماع فيها، وأنها تحقق توازن مصالح مشتركة لبناء الحضارة الإنسانية.
ولأن القارة الإفريقية هى مطمع استراتيجى لكل الدول القوية، تطمح لاستغلالها كعمق استراتيجى لها، نظراً للموقع الجغرافى المهم الذى يؤثر على حركة السياسة الدولية والإقليمية، وممرات الملاحة الدولية، وإطلالة إفريقيا على الممرات الملاحية الرابطة بين قارات العالم، فقد كان لها أثرًا واضحًا فى تأمين صادرات النفط الخليجية، التى تعتمد بنسية 90% على عائدات النفط، وكذلك واردات السلع والخدمات، علاوة على أهمية سوقية حقيقية فى مواجهة أى تحرك عسكرى فى المنطقة.

السعودية تستثمر 685 مليون دولار جنوب إفريقيا
من ناحية أخرى أعلنت شركة أكواباور السعودية، عزمها استثمار 9.6 مليار راند ـ أى ما يعادل 658 مليون دولار ـ فى جنوب إفريقيا، وتخطط السعودية لبناء مصفاة نفطية ومصنع للبتروكيماويات فى جنوب إفريقيا كجزء من برنامج استثمارى عالمى تبلغ قيمته 10 مليارات دولار.

استثمارات الإمارات ترتفع 700%
وبدوره أكد المدير العام لغرفة تجارة وصناعة دبى حمد بوعميم، أنه على الرغم من أن استثمارات الشرق الأوسط عموماً ودول الخليج خصوصاً، تركز عادة على شمال أفريقيا، فإن المستثمرين اليوم يتحركون نحو الجنوب، لافتًا إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين إفريقيا والإمارات بلغ 24 بليون دولار، بزيادة تتجاوز 700% على مدى السنوات العشر الماضية، وأنه لدى غرفة تجارة دبى الآن مكاتب جديدة فى إثيوبيا وغانا وموزمبيق وكينيا.
وأضاف أن شركة "أبراج" إحدى شركات الأسهم الخاصة التى تتخذ من دبى مقراً لها، استثمرت أكثر من 3 بلايين دولار فى أكثر من 60 شركة إفريقية، وخصصت شركات الخليج 19 بليون دولار عام 2014 ، للاستثمار فى مشاريع البنية التحتية فى القارة السمراء. كما تملك "موانئ دبى العالمية" ثالث أكبر مشغل عالمى للموانئ فى القارة، وأكثر من 30 مشروعاً استثمارياً، بما فى ذلك المحطات البحرية فى داكار ومابوتو، ومحميات الحياة البرية فى رواندا وجنوب إفريقيا. وتعهدت "موانئ دبى العالمية" باستثمار 1.5 بليون دولار أخرى فى السنوات الخمس المقبلة، من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفى جيبوتى الصغيرة غير المستقرة، استثمرت الشركة أكثر من 1.1 بليون دولار. وفى صومالى لاند أنشأت مشروعاً مشتركاً بقيمة 442 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة.
وفى مجال الزراعة، تستثمر دول الخليج المزيد فى إفريقيا للتحوط من أخطار الأمن الغذائى الوشيكة، وبحلول عام 2020، ستتخطى فاتورة واردات دول مجلس التعاون الخليجى 53.1 بليون دولار، أى نحو 8 فى المئة من الواردات.

إن انتباه العرب والأفارقة إلى ضرورة التكامل والتلاحم فيما بينهم من جديد يعيد إلى منطقة الشرق الأوسط هيبتها فى صناعة القرار العالمى، ويعيد أبسط معايير الأمن القومى التى ضربت بها مخططات الشر عرض الحائط، وهو ما يمكن أن يشكل خارطة جديدة لإفريقيا والعرب وثقل أكبر وأعمق بين دول العالم، لتؤسس لعلاقات دولية جديدة تكون قائمة على التعاون والتنمية والمشاركة المتبادلة، وليس الاحتلال أو استنزاف الثروات واللعب بمقدرات الفقراء من شعوب الأرض.