تاريخ صوم عيد الميلاد من القرن الأول الميلادى حتى الآن
يبدأ مسيحيو مصر، الثلاثاء المقبل، صوم عيد الميلاد الذى يختتم فى 7 يناير باحتفال عيد ميلاد المسيح، وفى هذا التقرير نتناول استعراض تاريخ هذا الصوم الذى وصل إلى 43 يوما.
قال الأب أسطفانوس دانيال راعى الكنيسة الكاثوليكية فى طهطا، إن التقليد القبطى يحوى استعداد عيد الميلاد المجيد بشهر كيهك المبارك وذاك الشهر ذو العلاقة الوثيقة بتكريم العذراء مريم، ويعتبر الحلو المبارك الغزير بتعزياته، شهر الموعد الذى أشار إليه الأنبياء، شهر يلذ للمؤمن أن يحييه بشوق وفرح ويتأمل فيه بعين الإيمان إتمام سر التجسد وإقبال ملء الزمان وتحقيق الأقوال النبوية.
كما يتبع فيه كيف أن كلمة الله المتجسد بلغ من خلاله إلى كمال نموه الجسدانى وأخذ صورة الإنسان الكاملة يحل فيه ملء اللاهوت مستترا، وكيف صار الحشاء البتولى للعذراء القديسة بفعل عجيب من الروح القدس مستودعًا لملك الملوك وكرسيا أفخر من كرسى داود مزينا للرب المتعالى وهيكلاً للروح القدس لم تصنعه يد بشرية أفخم وأعلى وأطهر من هيكل سليمان، ويُسمى هذا الشهر بالشهر المريمى نسبة للقديسة العظيمة أمنا مريم العذراء.
وتحتفل الكنيسة القبطية على مدار السنة الطقسية أمنا مريم العذراء لها ستة أعياد كبرى وستة أعياد صغرى وقد وُضع اثنا عشر ميمرًا رسميا إكرامًا لها، وفى شهر كيهك فى اليوم الثالث منه نحتفل بدخولها إلى الهيكل بأورشليم، وأيضًا فى يوم 22 منه تذكار الملاك غبريال الذى بشرها، وهذا الشهر له لحن خاص فى الكنيسة يسمى باللحن الكيهكى.
وأضاف أن المسيح ورسله لم يضعوا قانونًا للصوم ولما جرت العادة بأن أكثر المسيحيين، من وقت إلى وقت وسرًّا امتنعوا عن الطعام مواظبين على الصلاة، ولاسيما حين كانوا يشرعون فى عمل مهم، ولا يذكر شىء عن الأصوام فى الكنيسة الأولى إلا حين يُعيّدون بيوم تذكار صلب المسيح.
وفى القرن الأول الميلادى دخل الصوم رويدًا رويدًا بعد ذلك، أولاً بالعادة ثم صار قانونيًّا، ولا يُمكن أن نعلم يقينًا إن كان هذا الأمر حصل فى القرن الأول أو ما هى الأيام المكرّسة للصوم، وفى القرن الثالث الميلادى كانت أوقات الصوم هى للتذلل واعتادوا أن يسكبوا تضرعاتهم راكعين أو خارين على وجوههم إشارة إلى تذلّلهم.
اكتشفت الكنيسة الأولى إذًا أن إحدى غايات الصوم الأساسية هى أن يَعطى الإنسان أخاه الإنسان، ولكن الأبعد من هذا العطاء هناك الأخوّة البشرية فى المسيح.
وهناك عطاء آخر تكلم عنه إشعيا النبى "58"، أن تحلّ قيود النفاق، وأن نتطهّر من الكذب وأن نسعى لتحرير الناس وإطلاق المضغوطين أحرارًا وكسر كل نير. لا يعرف الصوم فقط فكرة التقدّس الفردي.
فكرة التوفير من أجل العطاء وإرادة المؤسسة المسيحية فلقد نهانا الله عن الطعام الصيامى الكثير، عن إكثار ألوان الطعام لأننا إذا أكثرنا من ألوان الطعام لا نستطيع أن نوفر ونعطى، ليست القضية إذًا امتناعًا عن أكل اللحم فقط ولكنها تقشف حتى نستطيع أن نعطي. الصوم فترة تطهُّر وتقرُّب إلى الله لأن فى ذلك يكشف الإنسان الآخر، أى كلما اقترب الإنسان إلى الله وإلى فكرة القيامة وإلى فكرة نصر المسيح على الموت وكلما استدعى الرُّوح القدس ليقدسه انطلق إلى الآخرين.
بولس وبرنابا انطلقا بعد صوم الجماعة إلى البشارة"أع13"، فى أنطاكيا بدأ الاحتفال بميلاد يسوع المسيح فى العام 376م، وفى مدينة الإسكندرية، لا يتحدث عن القديس يوحنا كاسّيانوس فى محاضراته التى حررها ما بين 418و428م.
وأوّل أثر لهذا العيد نجده سنة 430م فى عظة لبولس الحمصى عن ميلاد المسيح، ألقاها فى حضور البطريرك كيرلس الإسكندرى "412 -444م" فى اليوم التاسع والعشرين من شهر كيهك، وفى أورشليم ظهر هذا العيد على عهد يوفينال فى السنة 439م، أن أردنا أن نبحث عن تاريخ هذا الصوم يجب علينا أن نبحث عن المصادر التاريخية الكنسية كالبرديات والمخطوطات الطقسية القديمة جدا التى يعود أغلبها للقرون الأولى للمسيحية.
يسرد لنا نص الديداكيه "50- 150م" عن صوم الاستعداد أى اليوم الواحد، ويبدو من هنا نشأ البرامون لعيد الميلاد، وتخبرنا الدسقولية فى الباب الثامن كالآتى: "يا إخوتنا تحفظوا فى أيام الأعياد التى هى ميلاد الرب وكملوه فى خمسة وعشرين من الشهر التاسع الذى للعبرانيين الذى التاسع والعشرون من الشهر الرابع الذى للمصريين".
ومن بعد هذا ليكن جليلا عندكم عيد الغطاس بالإضافة إلى ذلك يسرد لنا الحبر الجليل الأنبا ساويروس بن المقفع 915 -987م، أسقف الأشمونيين، فى مؤلفه: "مصباح العقل" فى شأن هذا الموضوع أن صوم الاستعداد لعيد الميلاد، ولكن دون ذكر المدة. والملفت النظر أن الأقباط فى هذه الحقبة كانوا يصومون يومًا واحدًا فقط لا غير وكان يدعى هذا اليوم بيوم البرامون أيّ يوم الاستعداد.
ثانيًّا - الألفية الثانيّة:
استمر برامون عيد الميلاد إلى أن جاء البطريرك عبد المسيح 1047 -1077م، فأصدر سلسلة من القوانين وهى تحوى على 31 قانونًا وتنص على المادتى 15، 16كالآتى: "وكذلك صوم الميلاد المقدس يكون من عيد مارى مينا خمسة عشر يومًا من هاتور 24 نوفمبر إلى تسعة وعشرين يومًا من كيهك 7 يناير.
إن وافق عيد الميلاد الشريف يوم الأربعاء أو يوم الجمعة فيفطروا فيه ولا يصوموا بالجملة، إذا هذه المدة 43 يومًا وتقاليد هذه الحقبة تكتب بأن مدة صوم الميلاد كانت فى هذه الحقبة التاريخية أربعين يوما فقط لا غير، وأما للثلاثة أيام التى أضيفت فى وقت لاحق، إما لإحياء ذكرى معجزة نقل جبل المقطم، وذلك فى العام 969م فى عهد البطريرك إبرام بن زرعه "975- 978م" فأصبح عدد أيام صوم الميلاد 43 يوما.
وقوانين البطريرك غبريال بن تريك "1131- 1145م" تنص المادتى 4و5 كالآتى: "يا إخوتنا تحفظوا فى أيام الأعياد، التى هى الميلاد للرب وتكملوه فى خمسة وعشرين يومًا، من الشهر التاسع أى 25 ديسمبر الذى للعبرانيين الذى هو التاسع وعشرون من الشهر الرابع الذى للمصريين أيّ 29كيهك الموافق 25 ديسمبر، بالإضافة إلى ذلك نصى القانونيين 39، 40 كالتالى "لا تعملوا فى يوم ميلاد المسيح، لأن النعمة أعطيت للبشر فى ذلك اليوم بسرعة، ولما ولد الكلمة يسوع المسيح من مريم العذراء".
ويخبرنا البطريرك كيرلس بن لقلق "1235- 1243م" فى قوانينه أن عيد الميلاد هو من الأعياد الكبرى المخصوصة لكبار القسس وكبار الشمامسة وأيضًا الأعياد المخصوصة بالثانى فى الطقس وتصنف ليلة الميلاد من الخمسة أعياد المذكورة.
علاوة على أن عيد الميلاد هو من الأعياد المخصوصة بالثالث فى الطقس وهو ثانى عيد الميلاد وينص القانون 14«يجب على جماعة النصارى أن يصوموا الأربعين يومًا نقيًّا وصومى الحواريين والميلاد فى وقتهما، والأربعاء والجمعة فى السنة كاملة ما خلا الخمسين فقط».
وفى كتاب مجموع القوانين الكنسية للأحكام الشرعية المسيحية يُسطر لنا الصفى أبو الفضائل ماجد أبو المفضل أسعد أبو إسحق إبراهيم أبو البشر يوحنّا الكاتب المصرى العسّال، ولد على الأرجح فى النصف الثانى من القرن الثانى عشر: "وهو الصوم المتقدّم للميلاد، وأوّله نصف هاتور، وفصحه يوم الميلاد، وصوم اليوم الذى للميلاد غده واليوم الذى للغطاس غدة يقصد بذلك اليومان اللذان يسبقان يومى عيدى الميلاد والغطاس ويسمى كل منهم برامون أى الاستعداد.
وازدهر فى النصف الأول من القرن الرابع عشر الكاهن شمس الرئاسة أبو البركات ابن كبر، الذى توفى فى سنة1324م، ويخبرنا هذا الكاتب فى كتابة المعروف بمصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة عن صوم الميلاد فى الباب الثانى عشر: "فرض على المسيحيين عيدى الميلاد والغطاس ولكن دون ذكر المدة".
وفى كتاب الجوهرة النفيسة فى علوم الكنيسة للكاتب الأرشدياكون يوحنا ابن أبى زكريا ابن السباع فى أواخر القرن الرابع عشر، يخبرنا فى الباب الثانى والثلاثون من كتابة كالتالى: "وما صوم الميلاد المجيد لم يكن رتبة فى البيعة إلا الأنبا عبد المسيح 1047 – 1077م".
ويرقى عيد الميلاد المجيد إلى فئة الأعياد السيدية الكبرى ويحتفل به فى يوم 29 كيهك، ويسطر لنا المؤرخ أبو العباس أحمد بن على بن أحمد القلقشندى 1355 -1418م، الجزء 2، ص421و 422: أن صوم الميلاد يبدأ فى يوم 23 كيهك أى أن مدته أسبوع.
وفى عهد البطريرك الأنبا غبريـال الثامن 1587- 1603م فى السنة 1602 تم تعديل صوم الميلاد ومدته 29 يومًا، ويكتب القمص صموئيل تاوضروس السرياني: فى مجلة رسالة المحبة، ديسمبر، 1982، ص284: "عقد البطريرك يوساب الثانى 1946- 1956م، مجمعًا وقد وافق على قرارات هذا البطريرك غبريال 1602م وزاد عليها فطر الأربعاء والجمعة الواقعة بين الميلاد والغطاس أسوة بأيام الخماسين المقدّسة".