البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالجواد
فى ليلة الرابع والعشرين من ديسمبر 2013 اهتزت جزيرة الورد، زهرة اللوتس، مدينة المنصورة المعروفة بهدوئها وكأنها يمامة قابعة فى عش فوق شجرة تطل على صفحة النيل، وسمع دوى الانفجار الذى وقع بعد الواحدة من منتصف الليل الأهالى على بعد 15 كيلو متر متخطيا المدينة الصغيرة للقرى المجاورة والمراكز، بل أيقظ النائمين ليلا، وظنه كثيرون "زلزال مفاجئ" والبعض "انفجار أنبوبة بالمنزل"، كان الجميع فى هلع، قبل أن تمضى دقائق على الهزة العنيفة ويتردد النداء: "انقذوا الضحايا من شرطة ومجندين ومواطنين من تحت ركام مديرية أمن الدقهلية التى تم تفجيرها"!!

وكنت واحدا من المفزوعين على صوت الانفجار، بينما أجلس فى شرفة منزلى بالطابق السادس، الذى يبعد 10 كيلو عن المديرية، أحدق فى الأفق الرمادى الباهت حالما بليلة الكريسماس والعام الجديد مودعا لما قبله، بينما تصتك أسنانى من شدة البرد، وفى يدى رواية أجاثا كريستى "الجريمة الكاملة"!

كان الانفجار حقا جريمة كاملة ومتكاملة، وإثبات قاطع بأن الإرهاب لا يبقى ولا يذر، مكبرات الصوت بالمساجد القريبة تنطق بالفاجعة: "تم تفجير المديرية.. ضحايا تحت الأنقاض.. اللى عاوز يساعد أو يتبرع بالدم ميتأخرش"..

آلاف مؤلفة من البشر بالشوارع فى طريقهم لموقع الحادث، رغم قسوة الطقس، من المدينة والقرى، على أقدامهم وفى مواصلات خاصة وعامة، شملت موتوسيكلات وتكاتك وعربات ربع نقل بل كارو بالحمير! مشهد مهيب وكأنه فى "عز الظهر" لا الثانية بعد منتصف الليل، سيارات الإسعاف تدوى ذهابا وإيابا بين المديرية ومستشفيات المنصورة وسندوب وطلخا، كل يحاول أن يفعل شيئا لإنقاذ حياة مواطن قتل غدرا، آثار الخراب والتفجير والدمار تلوح على بعد كيلو من المديرية، واجهات شرف محطمة وأبواب "مطرشقة" وجوانب منهارة وسيارت مواطنين وشرطة مدمرة ومحال مخربة وأشلاء متفرقة وبقايا ملابس متطايرة ودماء مغتالة على الأسفلت، أمام المستشفيات كالطوارئ مثلا عدد لا حصر له من المتبرعين على اختلاف شرائحهم ومراكزهم وانتماءاتهم السياسية وأفكارهم لم تستوعبهم غرف التبرع بالمشفى، وقد نفدت كل "قرب الدم" التى يتم التجميع فيها من جميع المستشفيات تقريبا فى أول ساعة، من شدة الازدحام صيحات مدوية "وسع وسع" لسيارة إسعاف تنقل جثثا شبه ممزقة لعدد من المجندين الأبرياء، وهناك تحت أنقاض المديرية الشرطة والأهالى يلقنون العقيد سامح السعودى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة الشهادتين.

الجريمة متكاملة، 17 شهيدا وما يزيد عن مئة مصاب، المديرية غير قابلة للاستخدام الآدمى، مسجد العباسى الواقع قربها والمتحف الإسلامى الأثرى لم يسلما من شظايا التفجير، المحال التجارية فى منطقة العباسى الرائجة "موبايلات وأجهزة وملابس ومأكولات" أعلنت وفاتها، ومأساة آلاف الأسر التى تمتلكها وتعمل بها من مسلمين ومسيحيين، مقهى "أندريا" الأثرى الثقافى مدمر بالكامل، هذا المقهى الذى جلس عليه فى يوم من الأيام يحيى الفخرانى وفاتن حمامة وعلى محمود طه وإبراهيم ناجى وصالح جودت وسمير عبد الباقى وفؤاد حجازى.. إلخ، حيث كانت الروح المصرية أكثر تقبلا والعقليات أعظم تفتحا، نموذج للوسطية والاعتدال وحب الفن ونبذ التطرف، وتقدم البيرة كمشروب شعبى، النساء فى أبهى ثيابهن وكأنهن فى كورس غناء من فيلم أبيض وأسود، ولا توجد حالات تحرش واغتصاب، ويحتضن موقع المديرية أو يقع بالقرب منه حارة لليهود ومعبد لهم، وكنائس نادرة للمقيمين الأجانب أشهرها كنيسة القديس أثناسيوس الكبير اليونانية، ومتحف ابن لقمان حيث أسر لويس التاسع، ومحال بيتزات للطليان، وورش صناعات يديوية رومانية، وكافيهات من البوص على الجانب الآخر من النيل يقوم على واجب الضيافة بها أرمينيات أحلى من "صافيناز" سكنوا المدينة، قبل أن تغزو الدقهلية أفكار النفط والإرهاب والبداوة والتدين الشكلى منذ السبيعينيات، لتصبح مذاك أحد معاقل الجماعات الإرهابية وأرضا خصبة للأفكار المتشددة والتفجيرات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز