البث المباشر الراديو 9090
بحر الأشجار
دائما ما يأتى اكتشافنا للحقائق فى الوقت غير المناسب، فنعرف قيمة الحياة عندما نفقدها والحب عندما يغيب عنا، والمحظوظون حقا هم من لا يدخلون تلك التجربة القاسية.

غابة ساكنة ومنعزلة تماما عن العالم، ضوء الشمس يتسرب إليها بصعوبة من كثافة الأشجار، أرضها وعلى غير المألوف فى الغابات الأخرى، صخرية، لا توجد بها حيوانات، لكن هدوئها وسكونها وجمالها سيبث الخوف فى النفوس، جو مناسب لعمل فيلم رعب، لكنا صناع فيلم "بحر الأشجار – 2015"، اختاروا له أن يكون مكانا للبحث عن الحياة من خلال رحلة إلى الموت.

الفيلم من إخراج الأمريكى جوس فان سانت، والذى قدم من قبل عدة أعمال مهمة منها "فيل - 2004"، الذى حصل على السعفة الذهبية فى مهرجان كان الفرنسى، و"جود ويل هانتنج – 1997"، الذى حصل على جائزتى أوسكار، و"ميلك - 2008" وحصل على جائزتى أوسكار، وكتب سيناريو فيلم "بحر الأشجار" كريس سبارلينج، وقام ببطولته النجم ماثيو ماكونهى، والبريطانية تاعومى واتس، واليابانى كين واتانابى.

تدور فكرة الفيلم حول قيام "أرثر"، الذى أدى دوره ماثيو ماكونهى، بالسفر إلى اليابان والذهاب إلى غابة الأشجار، وهى غابة ضخمة يرتادها الراغبون فى الانتحار، والتى تبدو لهم كمكان مثالى للموت، "أرثر" فقد لتوه زوجته، التى أدت دورها "ناعومى واتس"، فى حادث عبثى، ليكتشف أنه رغم حبه لها، إلا أنه لا يعرف أشياء كثيرة عنها، مثلا لا يعرف لونها المفضل أو الفصل المناخى الذى تحبه، مثل تلك الأشياء أدت إلى شعوره بالذنب والتقصير، ومثلت رغبته فى الانتحار كنوع من التكفير عن الأخطاء والإساءات التى وجهها لزوجته دون قصد، وأيضا لتلبية رغبتها، التى جعلته يقسم على تنفيذها، وهى ألا يموت فى غرف المستشفيات.

غابة الأشجار إذن هى رحلة للتكفير عن الذنوب، وتطهير النفس من الآثام التى تم ارتكابها فى الحياة مع الآخرين، خصوصا الأقربين منهم، وكأى رحلة تطهير لا بد أن تكون صعبة ومؤلمة، فالوصول إلى اليقين والمعرفة وراحة القلب يتبعن تذوق الألم وعبور الصعوبات والاختبارات، الطريق إلى الراحة يمر عبر الدم والدموع، وهو ما حدث لـ"أرثر" والذى التقى فى الغابة برجل يابانى تائه، ليكتشف الثنائى بعد برهة أنهما لا يعرفان طريق الخروج، ويدوران فى حلقات مفرغة دون جدوى، لتتحول الرغبة فى الموت لدى "أرثر" إلى رغبة فى إنقاذ الرجل اليابانى وإعادته لأسرته وأطفاله، فى محاولة لتعويض عدم قدرته على إنقاذ زوجته، وذلك بإنقاذه لروح أخرى.

اعتمد المخرج على اللقطات القريبة جدا والمتوسطة، ليظهر تعبيرات الممثلين، والصراع الدائر بداخلهم بين قرار الموت والرغبة التى ربما تبزغ فجأة فى الحياة، وهو ما شعر به "أرثر" بالفعل، فكان ظهور اليابانى هو القشة التى تعلق بها لتأجيل قرار الانتحار أو ربما إلغاؤه نهائيا، والانشغال بمحاولة مساعدته للخروج من بحر الأشجار، خصوصا أنه كان حريصا على مقاومة ظروف الطبيعة القاسية التى واجهته، وعدم الاستسلام لها، والصراع من أجل البقاء على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة.

ماثيو ماكونهى من الممثلين، الذين يستطيعون أداء الأدوار الصعبة والمركبة، كما أنه من النوعية التى تدرس الدور جيدا وربما تقدم على فعل أشياء قاسية من أجل تقمص الشخصية، مثل إنقاص الوزن بدرجة غير طبيعية، وهو ما فعله فى الفيلم الذى منحه جائزة الأوسكار كأفضل ممثل رئيسى، وهو "نادى دالاس للمشترين - 2013"، الذى كان يدور حول مريض بالإيدز فى فترة الثمانينيات من القرن الماضى، ويشترك ماكونهى فى التحكم بجسده طبقا لما تتطلبه الشخصية مع زميله كريستيان بيل، وقد أدى ببراعة دور "أرثر" فى فيلم بحر الأشجار، ذلك الأستاذ الجامعى المحبط، التعيس فى حياته رغم حبه لزوجته، والتى تتهمه دائما بعدم الطموح، دور نفسى يحتاج إلى التعبير عن الانفعالات الداخلية عن طريق الوجه ونظرات العينين، وهو ما فعله ماكونهى من خلال مشيته غير المتحمسة أو سرحانه فى دروسه أو حتى عدم اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة لعالم زوجته، وارتدائه لجاكت واحد طوال الفيلم وعدم تغييره أو تجربة ملابس أخرى، ليس لسبب إلا لأنه يشعر بالراحة فيه، وربما يكون ذلك أحد عوارض الاكتئاب.

لم يحقق الفيلم نجاحا جماهيريا عند عرضه فى دور السينما بالولايات المتحدة، كما أن مهرجان "كان"، الذى منح سعفته الذهبية من قبل للمخرج "جوس فان سانت"، لم يستقبله فى دورة 2014 بحماس، وتجاهله تماما ليخرج دون الحصول على جائزة، وأعتقد أن السبب فى ذلك هو خلو الفيلم من "عمق الفكرة" التى طرحها، بمعنى أن صناع الفيلم أرادوا إبهار المشاهد الغربى بمكان غريب بالنسبة لعينيه، فذهبوا لليابان، وتحديدا لغابة الانتحار، لكن فكرة الموت والحياة لم تكن بذلك العمق، الذى يلمس وجدان المشاهد ويهزه من الداخل، ويجعله يفكر فى قضايا وجودية صعبة ومعقدة، فأراد صناع العمل إبهار المشاهد بتقديم ثقافة حضارة شرقية كاليابان، لكنه خيب توقعاتهم ولم ينبهر، إضافة إلى أن الفيلم اعتمد على مكان حقيقى ومعروف، فالغابة التى تقع بالقرب من جبل فيجى تبلغ مساحتها حوالى 35 كم، وتشهد أكثر من 100 حالة انتحار سنويا، ولم تنجح الحكومة اليابانية فى منع ذلك رغم وضع كاميرات مراقبة وتحذيرات مكتوبة وعلامات بعدم الدخول، ولكن بلا جدوى، كما أن طبيعة المكان الصخرية المليئة بالمعادن تضعف شبكات المحمول والبوصلة، فلا تتيح للمنتحرين الراغبين فى التراجع عن قرارهم فرصة لطلب النجدة أو الخروج من المتاهة، كل ما سبق معروف وموجود على الإنترنت وتم عمل فيلم وثائقى عنه، لكن صناع الفيلم قدموه كما هو دون تغيير أو إضافات، بنفس التفاصيل السابقة.

"عمق الفكرة" الذى افتقده "بحر الأشجار" كان موجودا فى فيلم آخر هو "جراد البحر – 2015" للمخرج اليونانى يورجوس لانثيموس، والذى يتشابه معه فى أنه أيضا يناقش فكرة الحب والموت والحياة، وجزء كبير من الفيلم يدور فى غابة لكنها غابة مختلفة، تناسب الفكرة التى يطرحها الفيلم، لذلك استطاع "جراد البحر" صنع عالم متخيل ومبهر، ناقش من خلاله أفكاره بعمق وبساطة، مع تطور فى الأحداث أبعد الفيلم عن البطء، أما "بحر الأشجار" فقد لجأ المخرج إلى "الفلاش باك" للخروج من الملل، الذى قد يشعر به المتفرج، ولكسر حالة الرتابة فى استمرار رجلين تائهين فى الغابة فى الحوار مع بعضهما، كما أنه لا يوجد داع درامى لأن تتقمص روح زوجته فى شخصية رجل يابانى، لكى تمنحه الغفران ويمنحها هو اعتذاراته وأسفه، وكان يمكن لها أن تتقمص فى شخصية امرأة ربما يكون ذلك أكثر درامية وصدقا فى مناقشة موضوع مثل الحب.

"بحر الأشجار" فيلم يحاول لفت انتباهنا إلى التفاصيل الصغيرة الموجودة فى الحياة، والتى ربما لا نلتفت لها أو نعيرها انتباهنا، لكنها تساهم ودون أن ندرى فى تشكيل حياتنا المستقبلية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً