البث المباشر الراديو 9090
يسرى الفخرانى
فى عزاء أخير، جلس المشير حسين طنطاوى على مقعد أمامى بقاعة العزاء، كم من مرة قابلته.. كما هو لا يتغير، نفس الانحناءة العميقة فى الظهر، والنظرة الناعسة التى لا تخطئ فى فحص كل من يقترب منه لمصافحته.

الرجل ذكى، لم يضع جناحى قوته على الرف... العمر والمرض والتقاعد.. لكن الجنرال الصامت لا يفقد أسنانه.

هذا رجل للتاريخ الذى لا نعرفه، ولم يكتب، وربما لن يكتب، صنع جزءًا مهمًا من الصفحات التى ربما لن تذكر اسمه.. تمر عليه ربما مرور الكرام، صفحات انتهى فيها أزمنة وهو يجلس متصفحًا بذلته العسكرية فى سعادة ونشوة.

فلماذا لم يتكلم؟!.. ولماذا لا يتكلم؟!.. لماذا صمت فى الحالتين، متهما بمنح الحكم إلى جماعة الإخوان الإرهابية.. وبريئًا إذا صدقت مقولة تسليمه الإخوان إلى حكم الشعب!

كنت، فى تلك المناسبة الأخيرة، على وشك أن أمشى إليه ببطء، وأطلب منه أن يمضى معى من كرسى العزاء إلى كرسى الاعتراف . يتكلم . يقول . يشرح . يفسِّر.

الجنرال هو الوحيد الذى يملك كل الكراريس التى تحكى أسرار ما حدث من 24 يناير 2011 إلى لحظة تقاعده.

الجنرال الصامت هو الذى يملك أبعد وأكثر من ذلك.. ماذا حدث فى العشرين سنة الأخيرة من حكم مبارك؟

إذا لم تكن تعرف، فالمشير وزير الدفاع طنطاوى كان الرجل الثانى فى مصر منذ منتصف التسعينيات.. رجل قوى يراقب، ولا يحكم.. يزأر ولا يلتهم.

رأيته وهو فى أوج سلطته.. صمته الدائم يعكس قوة طاغية.. يُدير جلسات مجلس الوزراء .. مهما كان اسم أو حجم رئيس الحكومة.

الرجل الذى يحتفظ بكرسى على يمين رئيس الجمهورية حتى الآن فى مناسبات مهمة .. لديه الكثير ليسكت عنه.. فماذا لو تكلم؟

الجنرال خليط مدهش من رجل عسكرى، ورجل مخابرات، ورجل دولة . فماذا، مرة أخرى، لو تكلم؟

لا يمنع المشير عن الكلام إلا رغبة منه فى أن يظل صندوقًا مُغلقًا، رحلة تنتهى بالوصول إلى المحطة الأخيرة.. يتوارى عن الأضواء بكامل إرادته.. غير ممنوع من الكلام.. إذا قرر غدًا أن يكتب مذكراته سيفعل.. نحن أمام "أسطورة" تفضِّل أن يبقى جزء منها خيالًا على أن تهبط إلى أرض الواقع.

أتمنى لو تكلم ..!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً