تفجيرات البرلمان الإيرانى وضريح الخمينى
فى المقابل، لم يتردد مسؤولون بالحرس الثورى الإيرانى، فى اتهام المملكة العربية السعودية، بالوقوف خلف الهجمات الداعشية المفاجئة، رغم أن الأمن فى طهران سرعان ما أجهض تلك الفرضية دون أن يقصد على الأرجح، بالإعلان أن المنفذين من أصول فارسية ومن عناصر محلية تم تجنيدهم لصالح تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى، وليسوا عربًا متشددين.

بينما تعاطى العالم مع الحادث، وبخاصة الغرب الأوروبى والأمريكى، وكأنه وقع فى كوكب آخر، ومن ثم لم تتسارع إعلانات التعبير عن الشجب والإدانة ومواساة الضحايا، باستثناء روسيا ربما، وذلك على خلفية تحالفها الاستراتيجى مع طهران، على الأقل فى الملف السورى.
بيد أن وسائل الإعلام الدولية توقفت وبشدة، أمام كون الهجمات هى الأولى ربما من توقيع تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى فى دولة الملالى.
ما سبق، هو تناول سياسى لجريمة إرهابية بامتياز، فلا أحاديث إلا فيما ندر عن تنسيق جهود لمجابهة تمدد النفوذ الداعشى فى رقعة جديدة من العالم هى إيران، ولا نية حقيقية لأن يُطلب من طهران المساعدة بجدية فى الحرب على الإرهاب، بعدما وصلت نيرانه ودماؤه إلى باب ضريح رمزهم الأكبر.

طهران ذاتها لم تمل من لعبتها الاعتيادية فى استخدام ضحاياها كمنصات للهجوم السياسى على خصومها، مثل أزمة التدافع بموسم الحج العام قبل الماضى، عندما سقط العشرات من الإيرانيين، بينما كانت دولة الملالى وفق مؤشرات واتهامات سعودية ودولية هى من دبرت الحادث لإشعال تلك الفوضى الدموية فى الحرم.
وتناست طهران دماء حجاجها المتوفين بغير ذنب، من أجل النكاية بالمملكة، والمطالبة بتدويل الإشراف على الحج، لتتحول حادثة تشتم فيها بفداحة رائحة التدبير الخسيس، بغض النظر عن الجهة التى تقف وراءها، إلى مناسبة للمزايدات السياسة ومعارك النفوذ والضرب المعنوى بين معسكرى السنة والشيعة فى الشرق الأوسط.

لا أحد ينسى كذلك الزلزال المدمر الذى ضرب مدينة بم بمحافظة كرمان الإيرانية، شتاء عام 2003، والذى خلف أكثر من 40 ألف قتيل، و50 ألف جريح، علاوة على تشريد الآلاف، ومع ذلك كانت الإدارة الأمنية والاستخباراتية فى طهران فى أشد درجاتها تركيزًا، بحيث كان لديها القدرة على تحميل طائرات الإغاثة القادمة لها من لبنان بمواد غذائية وأدوية لنجدة المتضررين من الكارثة، لتعود بصواريخ وعتاد عسكرى خصص لحزب الله اللبنانى، وهو السلاح الذى تمكن به الأخير من قصف الشمال الإسرائيلى فى حربه مع تل أبيب صيف عام 2006.

فى هجوم داعش، حافظت طهران على النهج ذاته، ومن ثم كان هدفها الأكبر هو الهجوم على السعودية، وعلى المؤتمر العربى الإسلامى السنى الأمريكى، برعاية دونالد ترامب، والذى كان قد عقد الشهر الماضى بالرياض، وصنف دولة الملالى كأكبر خطر فى المنطقة.
على هذا النحو، تميل دوائر تحليلية وبحثية وأمنية غربية وعربية، إلى أن الهجوم الداعشى، قد يكون مدبرًا أو تم غض الطرف عنه من قبل المسؤولين فى طهران حتى يقع، ومن ثم يمكن وقتها الرد على كل من يتساءل حائرًا عن سر عدم نشاط التنظيمات الإرهابية الكبرى، كالقاعدة والدولة الإسلامية، داخل الأراضى الإيرانية، على الرغم من أن تلك الكيانات المتطرفة، تعتبر الشيعة هدفها الأهم والأساسى.
بل إن الهجمات الطائفية التى تحمل بصمات القاعدة أو النصرة أو أيًا من الجماعات السلفية الجهادية ضد مزارات وأضرحة ومقدسات شيعية فى سوريا أو حتى بالعراق، لا تتكرر ولو على نحو مشابه ولو قليلًا، داخل إيران، بما يقطع بأن التنظيمات الدينية المسلحة تقصد استثناء دولة الملالى من نيرانها حتى الآن.
والثابت، أن إيران تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قادة تنظيم القاعدة، بل فتحت لهم ملاذات آمنة على أراضيها طيلة نحو عقدين كاملين، سواء داخل معسكرات للإقامة الجبرية هم وأسرهم، أو حتى بالسماح لهم بالتواجد بحرية ودون أى قيود على الحركة، عقب فرار العشرات منهم من أفغانستان وباكستان، هربًا من الضربات والملاحقات الأمريكية ضدهم.
زعيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، أوصى علانية بعدم مجابهة طهران، باعتبارهم سندا له ولرجاله. وبالنسبة لتنظيم داعش، فأحاديث التنسيق بين زعماته والمخابرات الإيرانية، وبالأخص فى سوريا، لا تنقطع، بدعوى أن طهران تستخدم مقاتلينه لأجل تغيير مراكز القوى على الأرض، بما يضر كل أجنحة المعارضة المناوئة لحليفها بشار الأسد ونظامه.
وفى العراق، فإن قصة انسحاب الجيش من الموصل بأوامر من رئيس الوزراء الشيعى السابق، والموالى لطهران، نور المالكى، صيف العام 2014، ما أدى لسيطرة الدواعش بشكل مريب على نحو ثلث بلد صدام حسين، وإعلان خلافته المزعومة للدولة الإسلامية بقيادة أبو بكر البغدادى، إنما تمثل دلالة لا يمكن تجاهلها عن دور طهران فى تمكين التنظيم الإرهابى الأشرس حاليًا على الساحة الإقليمية والدولية، بغية أن يتم الاستنجاد بها.

هذا السيناريو تحقق تمامًا، بل وبدأت عناصر وقادة الحرس الثورى الإيرانى وفيلق القدس الشهير برئاسة الجنرال سليمان قاسمى تتجول علنًا فى شوارع الموصل وكركوك وبالقرب من بغداد، إلى جانب ميليشيات الحشد الشعبى الشيعية، بعدما نالت ضوءًا أخضر من رئيس الوزراء العراقى الحالى، حيدر العبادى، بمعاونة القوات الوطنية لجيش بلاده لدحض داعش.
كل تلك المؤشرات، عن علاقات إيران بداعش والقاعدة، فسرت سر الحصانة التى تتمتع بها فى مواجهة ضرباتهما الدموية الإرهابية، حتى إن وزير الخارجية السعودى، عادل الجبير، لم يتردد قبل أشهر فى طرح سؤال على نحو علنى يتضمن اتهامات صريحة بالتواطؤ بين دولة الملالى وعناصر التطرف، فقال نصًا: لماذا لا تعانى دولة الفقيه من ويلات جماعات العنف الدينى المسلح وعلى رأسها تنظيم الدولة؟ الإجابة بدت جلية فى صلب علامة الاستفهام غير المنزهة من تلميحات لا تحتمل التأويل.
المحصلة، وأيًا كان المسؤول عن هجوم طهران أمس، سواء داعش، أو كان الأمر بفعل وتدبير مقصود من الإيرانيين لإبعاد شبهات التورط فى الإرهاب عن أنفسهم، فإن طهران استغلت الحادث لكسب نقاط فى شباك الرياض وواشنطن، مفادها أن دولة الملالى صار لديها مظلومية تخص انكوائها بالإرهاب، ومن ثم فإن وصمها بالكيان المتطرف الداعم للعنف الدينى المسلح صار محل شك، أو على أقل تقدير تشكيك وتأويل، وهو المطلوب.
ولذلك فرحت إيران، على عكس المتوقع، وبشدة بعد وصول نيران داعش بالمصادفة أو قصدًا إليها.