البث المباشر الراديو 9090
داعش
فى القاهرة، كان إعلان وزارة الداخلية تصفية مسؤول التجنيد والعمليات بتنظيم ولاية سيناء الإرهابى، أنصار بيت المقدس سابقًا.

وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان نفير شرعى عام موجه إلى ما تبقى من الدواعش فى مدينة تلعفر العراقية، يدعوهم فيه إلى الفرار إلى "الأرض الموعودة بفلسطين ومصر".

واغتالت قوات إنفاذ القانون القيادى التكفيرى شديد الخطورة، أحمد حسن أحمد النشو، ويحمل اسمًا حركيًا هو "غندور المصرى"، فى مداهمة لوكر كان يختبئ فيه بمدينة العريش مساء الثلاثاء، بيد أن دلالات العملية التى أعلنتها وزارة الداخلية فى بيان رسمى، إنما تكشف على دخول الشرطة إلى ساحة العمليات النوعية ضد قادة وكوادر داعش الكبار فى سيناء.

وغندور المصرى هذا، يشار إليه، وفق الداخلية، باعتباره مسؤول العمليات والتجنيد فى دواعش سيناء، ومن ثم فإسقاطه يعد ضربة قوية جديدة للتنظيم الإرهابى، الذى لا يزال يتنفس بعمليات دموية متفرقة ضد الجيش والشرطة فى أرض الفيروز من حين إلى آخر، وكان آخرها ما جرى فى ارتكاز البرث العسكرى فى السابع من يوليو الجارى.

وتضرب الشرطة وبالأخص فى القاهرة والوادى بقوة ضد عناصر اللجان النوعية الإخوانية وغيرها من تنظيمات العنف المسلح، فيما تعلن يوم بعد آخر عن قتل كادر هنا وآخر هناك، كما جرى ليل الثلاثاء أيضًا بتصفية عنصرين فارين تابعين لخلية حركة حسم المتطرفة، والتى كانت تورطت فى قتل مجموعة من أفراد الشرطة فى كمين الدائرى "المقطم/ مدينة نصر" مطلع مايو الماضى.

استنساخ سياسة التصفية، ثم العبور بها شطرى قناة السويس من الغرب إلى الشرق وصولًا إلى سيناء، وتحديدًا، إلى مثلثها الملتهب فى العريش والشيخ زويد ورفح، هو فى حد ذاته تأسيسًا جديدًا لنهج مغاير للتعاطى مع العناصر التكفيرية الخطرة فى صفوف الدواعش، لا يعتمد فقط على الاستهدافات التى تقوم بها قوات وطائرات الجيش.

لجوء العقيدة الأمنية المصرية إلى حل الضربات النوعية للعناصر الداعشية بسيناء، يعكس كذلك درجة من الخطورة تستشعرها طبقات القرار العليا فى الدولة، إذ أن نداء كالذى صدر من مفتى تنظيم الدولة الإسلامية بتلعفر العراقية، كفيل بتوجيه فلول الكيان الدينى المتطرف صوب البوابة الشرقية لمصر، بحثًا عن مساحة تنفيث جديدة لدعاة الدم والسفك والتفجير والنسف.

الرحلة إلى مصر من جانب المقاتلين الأجانب الدواعش، يزكيها عودة لافتة لمقاتلين مصريين متطرفين فى صفوف تنظيم أبو بكر البغدادى نشطوا فى سوريا على وجه التحديد طيلة السنتين الماضيتين على الأقل. هؤلاء محفز معتبر لاصطحاب نظرائهم غير المحليين لمواصلة حفلات الدم فى البلد الأمم.

ورصدت دراسات أمنية وبحثية معتبرة أعدادًا تقترب من ألف داعشى مصرى عادوا إلى مصر، بينما انخرط العشرات منهم فى معارك الدواعش بسيناء ضد الجيش والأمن.

الهجوم الفاشل على ارتكاز البرث الأخير استخدمت فيه آليات دواعش العراق وسوريا المشهورة باستهداف الأرض بغية اقتناصها وإعلان إمارات أو مناطق خاضعة لراية التنظيم السوداء ولو مؤقتًا.

الخبرات المستوردة والعمليات تلك، فضلًا عن العمليات ذات الحرفية على مستوى التخطيط والتنفيذ وتجهيز العتاد والمتفجرات وما شابه، لم تكن لتأتى إلى أرض المعارك بسيناء إلا بصحبة فلول العائدين والوافدين من الدواعش المحليين والأجانب.

ويستهدف ما تبقى من الإرهاب الداعش والقاعدى على الأرض فى الشرق الأوسط مصر منذ فترة لتكون حاضنة جديدة لعجلة العنف الدينى المسلح. سيناء صارت هدفًا للجميع، وبخاصة مع تواصل الانهيار الكبير لمعاقل تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى فى سوريا والعراق وليبيا.

حسب دراسة للعميد خالد عكاشة بعنوان "المصريون فى صفوف داعش إشكالية المخاطر وأزمة العائدين"، فقد تميزت الساحة السورية بعوامل جذب عدة للجهاديين المصريين بالأساس الذين سافروا إليها وانضموا لتنظيمات داعش أو جبهة النصرة فى الغالب، وكذلك لمن تم استدراجهم إلى هناك عبر منصات التواصل الاجتماعى حيث كان يتم الانتقال اليها عبر تركيا، إضافة إلى الساحة الليبية التى كان يتم الانتقال إليها عبر الحدود المشتركة.

فيما قدمت جماعة الإخوان رعاية كاملة لهذا النزوح جنبا إلى جنب مع مجموعة من الحركات والجماعات السلفية أشهرها حازمون بهدف القتال فى سوريا.

ودعما كاملا من مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية فى 15 يونيو 2013 برعاية وحضور الرئيس المعزول محمد مرسى. وفى تلك المرحلة برزت أسماء مثل محمد الظواهرى وأحمد سلامة مبروك وحازم صلاح أبو إسماعيل ومحمد عشوش قاموا بأدوار رعاية متكاملة لعملية نقل الشباب إلى تنظيمات سوريا وليبيا.

الأمر الذى بدأت تدفع مصر ثمنًا باهظًا له، على أثر نزوح المقاتلين المصريين مجددًا إليها فى أعقاب انهيارات التنظيم فى الخارج.

ووفقًا للباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد جمعة، فى دراسته "عودة الجهاديين من سوريا والعراق المخاطر وسبل المواجهة"، فإن المقاتلين العائدين باتوا كجسور بين تنظيمات جهادية خارجية وجماعات محلية موالية لها، وهو ما تحقق جزئيًا أيضًا خلال العامين الماضيين، حيث أثبتت تحقيقات الأمن الوطنى أن تنظيم داعش ليبيا لعب دورا رئيسيًا من خلال استخدام بعض العائدين فى محاولات زرع خلايا إرهابية فى الداخل المصرى، لا سيما فى الصحراء الغربية والقاهرة الكبرى "خاصة فى محافظة الجيزة" والصعيد، وقد اتضح ذلك بعد كشف الخلية الإرهابية التى جاءت عبر الحدود الغربية وحاولت إقامة معسكرات لها فى جبل ديروط فى سبتمبر 2015.

ثبت أيضًا أن جهاديون من جنسيات غير مصرية يصلون إلى مصر بأوامر من قيادات مصرية من العائدين من تنظيم داعش أو القاعدة تعمل على تدعيم الحالة الإرهابية والمساهمة فيما يعتبرونه جهادًا مصريًا واعدًا، حيث يتم أيضًا استخدام أنفاق غزة فى التحرك والانتقال، وكذا يتم الاعتماد على الصلات مع السلفية الجهادية فى القطاع لتوفير الدم اللوجيستى والمادى.

من مخاطر عودة المقاتلين أيضا، من وجهة نظر جمعة، المحاولات المستميتة لاقتناص مناطق حكم ذاتى وإقامة إمارات لهم فى المساحات الهشة كما سبق وأن حدث فى هجوم الشيخ زويد 2015.

يلجأ المقاتلين العائدين الذين يكونون أكثر شراسة أيضًا إلى استهداف المدنيين ومحاولة إجبارهم باستمرار على دفع الضرائب أو التعاون معهم، وهو ما يفسر التغيير فى سلوك ولاية سيناء مع القبائل هناك، من التقرب والمهادنة إلى التهديد والعداء.

بالإضافة إلى محاولة استهدافهم للأهداف الغربية ومحاولة أخذ رهائن كما حدث من اختطاف "ولاية سيناء" للمهندس الكرواتى توميسلاف سالوبيك فى صيف 2015 وذبحه بعدها بأيام.

وكذا تبنى هؤلاء العائدون للبعد الطائفى "تجاه الأقباط وكذا الصوفية" ومحاولة توظيفه سياسيًا، والأهم "المجاهرة" بالإعلان عنه وهو التحول الجديد فى التنظيمات الإرهابية فى مصر، الأمر الذى انعكس فى عمليات من شاكلة تفجيرات البطرسية وكنيستى طنطا والإسكندرية.

إنشاء معسكرات لتدريب المقاتلين، يعد أحد أهم مخاطر الكوادر العائدة من الصراع المسلح، إضافة إلى أن العناصر الإخوانية التى سافرت للجهاد فى سوريا وكانوا على صلة بتنظيم داعش الأم هناك، قد لعبت دورا هاما فى كسر الحواجز وسد الفجوات بين اللجان النوعية للجماعة بتنوعاتها "تحالف المقاومة الشعبية" و"العقاب الثورى" وحركة "حسم"، وبين خلايا داعش مصر، وهو ما يفسر التقارب على صعيد العمليات بين تلك التنظيمات واكتشاف خلايا إرهابية هجين تضم عناصر من مختلف الانتماءات التنظيمية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز