قيادات حماس
وتنتهج حماس فى محاولاتها الأخيرة لتغيير جلدها السياسى، من التبعية للإخوان والقطريين والإيرانيين على وجه التحديد، إلى تجديد الانفتاح على مختلف القوى الفاعلة فى المنطقة، عبر تبنى مجموعة من المبادرات وغالبيتها تختص بدورها فى الداخل الفلسطينى، حيث الانقسام الذى يتواصل ويزاد تعقيدًا منذ نحو 10 سنوات.
ولا تبدو حماس جادة فى إنهاء الشقاق الفلسطينى الداخلى، من خلال الانسحاب التام من قطاع غزة، إذ إنها تطمح فقط فى التوصل إلى تفاهمات مع السلطة فى رام الله، من أجل إدارة هذا الانقسام كأمر واقع غير قابل للتغيير لا حله. الحركة لا يبدو أنها تقوى لا على أعضائها، ولا على عدد كبير من الغزاويين، ممن استفادوا من سيطرة الحركة على القطاع، ومن ثم فليس بمقدورها أن تعلن منفردة، ودون رضا هؤلاء، عن عودتها إلى معية المقاومة الفلسطينية، تاركة السياسة وألعابها للسلطة ومنظمة التحرير.
إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى الجديد للحركة
وعليه، فلا يمكن فصل الخطوات الإيجابية "ظاهريًا"، التى تتخذها حركة حماس لإنهاء الانقسام الداخلى مع فتح والسلطة الفلسطينية، عن تفاقم الوضع المعيشى وتدهوره على نحو غير مسبوق داخل قطاع غزة القابع تحت سلطة الحركة منذ العام 2007.
فيما تبدو أيضًا التفاهمات الأخيرة "المثمرة" بين حماس وعدد من اللاعبين الفاعلين بالمنطقة كمصر، فضلًا عن شخصيات فلسطينية نافذة، كمحمد دحلان، على طريق عودة الوفاق الداخلى بين مختلف المكونات والفصائل فى الأراضى المحتلة، أقرب إلى محاولة أخيرة من جانب الحركة المسلحة للبقاء الفاعل على المسرح السياسى العربى والفلسطينى.
ويعد إعلان الحركة الخميس (3 أغسطس 2017)، عن مبادرة سياسية جديدة لإنهاء الانقسام الفلسطينى الداخلى، إحدى صور التعاطى البراجماتى للحركة لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، بحيث تجد منفذا للهرب من أزماتها الرهيبة التى تعانيها فى إدارة القطاع المنكوب، وفى الوقت ذاته تمنح جميع القوى المتفاعلة معها سواء فى الأراضى المحتلة كالسلطة، أو فى خارجها، إشارة مشجعة على أمل حصد أى مكاسب ممكنة .
وتنص مبادرة حماس الجديدة على استعدادها لحل اللجنة الإدارية الحكومية، التى شكّلتها فى مارس الماضى، فور تسلّم حكومة الوفاق الوطنى مسؤولياتها فى قطاع غزة.
مظاهرات غضب من سوء إدارة حماس
وسبق أن شكلت حماس لجنة إدارية لإدارة الشؤون الحكومية فى قطاع غزة، وهو ما قوبل باستنكار الحكومة الفلسطينية، وبررت "حماس" خطوتها بـ"تخلى الحكومة عن القيام بمسؤولياتها فى القطاع"، وفق وكالات ومراقبين إقليميين ودوليين، غير أن معاناة الأخير من مشاكل اقتصادية ومعيشية جامة ربما دفع الحركة للذهاب إلى الأمام فى طريق المصالحة، وعينها على طلب المساعدة فى حل مشاكل الإدارة.
وقال عضو المكتب السياسى للحركة، صلاح البردويل، إن "اللجنة الحكومية ستنهى مهمتها الطارئة بغزة، فور استلام حكومة الوفاق لمسؤولياتها فى القطاع، وعلى رأس هذه المهام استيعاب وتسكين كل الموظفين القائمين على رأس أعمالهم"، وطالب الحكومة الفلسطينية بإلغاء الإجراءات التى فرضت على غزة بحجة تشكيل اللجنة الإدارية الحكومية.
وجاءت إعلان المبادرة الأخيرة، بعد أقل من 28 ساعة من لقاء عقده وفد من حركة حماس مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس، فى ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء (1 أغسطس 2017)، لبحث سبل إنهاء الانقسام الفلسطينى.
ويعانى قطاع غزة، حاليا، من أزمات معيشية وإنسانية حادة، بعضها جراء خطوات اتخذها أبو مازن، ومنها فرض ضرائب على وقود محطة الكهرباء، والطلب من إسرائيل تقليص إمداداتها من الطاقة للقطاع، بالإضافة إلى تقليص رواتب موظفى الحكومة، وإحالة الآلاف منهم للتقاعد المبكّر.
وبرر الرئيس عباس هذه الخطوات، برغبته فى إنهاء الانقسام الفلسطينى الداخلى، وإجبار حركة حماس على تطبيق اتفاقيات المصالحة، وتسليم قطاع غزة إلى حكومة التوافق.
محمود عباس أبو مازن
علاوة على معاناة القطاع بشكل كبير ومنذ سنوات من انهيار شبكة الكهرباء، وتراجع عدد ساعات استمرار التيار الكهربى يوميًا إلى نحو 4 ساعات فقط، ناهيك بسوء مياه الشرب، وتفاقم الوضع الأمنى جراء تصاعد صوت القوى السلفية الجهادية، وإصرار أجنحة فى عز الدين القسام على توجيه السلاح ولو فى الكواليس لدعم تنظيمات إرهابية بالمنطقة، ومنها أنصار بيت المقدس الداعشى بسيناء.
وفى السياق ذاته، قال البردويل: "تأكيداً لما ورد فى خطابات رئيس المكتب السياسى للحركة، إسماعيل هنية؛ فإن حماس تمد يدها للمصالحة الفلسطينية على أسس واضحة وسليمة ومعمقة". كما طالب بضرورة الشروع الفورى فى حوار وطنى ومشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية، داعياً إلى تفعيل المجلس التشريعى الفلسطينى بالتوافق لأداء مهامه المنوطة به.
وجدد دعوة حركته للتحضير لانتخابات "تشريعية ورئاسية، وانتخابات مجلس وطنى"، مشددًا على ضرورة عقد اجتماع فورى للإطار القيادى المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، "لاتخاذ القرارات الوطنية الملزمة للجميع رائدنا فيها المصلحة العليا للشعب الفلسطينى".
وفى أول رد فعل من جانب حركة فتح على مبادرة المصالحة الحمساوية، نقلت وسائل إعلام محلية وعالمية عن أسامة القواسمى، الناطق باسم الحركة، قوله إن "هذه ليست مبادرة وإنما شروط تعجيزية لعرقلة المصالحة الفلسطينية.
أسامة القواسمى، متحدث باسم فتح
ونوه إلى أن "حماس ترفض مبادرة الرئيس التى تضمنت ثلاثة نقاط حل اللجنة الإدارية دون شروط وتمكين الحكومة من العمل فى قطاع غزة والذهاب للانتخابات"، قبل أن يتهم الحركة بالسعى إلى "تعميق الانقسام وفصل قطاع غزة والذهاب لتحالفها مع محمد دحلان "العدو الكبير لأبو مازن" لفصل غزة، تحت ما يسمى المشروع الإسرائيلى إيجاد قيادات بديلة"، على حد قوله.
وحسب الناطق باسم فتح، فإن "ما تقدمت به حماس ليست مبادرة، وإنما وضع العصى فى دواليب المصالحة، وهو دليل على أن حركة حماس لم تتغير وأنها ماضية قدماً فى مشروعها الانقسامى الانفصالى"، وقال إن "حلّ اللجنة الإدارية يجب ألا يكون مشروطاً بأى شيء بالمطلق، وتمكين الحكومة برام الله ليس بحاجة إلى شروط، وإنما حماس تدعو من جهة الحكومة إلى العمل فى قطاع غزة وهى بالوقت نفسه تمنعها من العمل فيه، الأمر ليس شعارات ولا خطابات إعلامية".
كما لفت إلى أن "حماس وضعت شروطا غير متفق عليها فى توظيف الموظفين كافة (50 ألف موظف)، على رأس عملهم، وهو مخالف لما تم الاتفاق عليه، بضرورة تشكيل لجنة إدارية تقوم بإعادة دراسة ملف الموظفين برمته"، ودفع بأن التجربة الماضية تقول إن حركة حماس "تدعو الحكومة لاستلام عملها فى قطاع غزة، وعندما يصل الوزراء تقوم باعتقالهم أو ضربهم أو بتحريض الناس عليهم وتمنعهم من الوصول للوزارات". وفى الأخير رأى القواسمى أن "مبادرة حماس تهدف إلى تضليل للرأى العام الفلسطينى".
كتائب القسام، جناح حماس العسكرى
وكانت حماس طرحت قبل أشهر ورقة سياسية تخلت فيها عن الانتماء العضوى العلنى عن جماعة الإخوان المسلمين، فيما تراجعت عن التمسك بتدمير إسرائيل، مقرة بالدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967، وليس ما قبلها.
وكان ملاحظًا فى وثيقة السياسات العامة الجديدة لحماس، أنه لا ذكر نهائيًا لقطاع غزة ضمن بنودها الواحد والأربعين، ومن ثمَّ فربما يكون طرحها الجديد عن غزة تداركًا مظهريًا فى هذا الشأن.
وتدير حماس قطاع غزة بقوة السلاح، وبالخروج عن سيادة السلطة الفلسطينية، منذ انقلاب دموى قادته ميليشياتها ضد فتح قبل 10 أعوام بالتمام والكمال، وتفاقم الوضع الخدمى والسياسى والإنسانى فى القطاع تحت حكم حماس، على نحو غير مسبوق، فيما لا تزال الحركة الإسلامية، تتزرع بالحصار الإسرائيلى على غزة وإغلاق معبر رفح من قبل مصر لتبرير فشلها الذريع فى الإدارة، ناهيك، باستخدام القطعة الفلسطينية الملكومة كخنجر مسموم فى ظهر كل من تعاديهم حماس، سواء الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبو مازن، أو مصر فى فترة من الفترات.
وعن طريق غزة عملت حماس على النفخ فى نيران الإرهاب الداعشى والإخوانى فى سيناء على وجه التحديد، قبل أن تحدث تفاهمات صعبة بين الحركة والقاهرة، أثمرت مؤخرًا عن رفع يد الفصيل الفلسطينى المسلح عن قوى التطرف فى شبه الجزيرة المصرية على نحو ملموس.
انقطاع الكهرباء فى قطاع غزة
بيد أن الوضع الإنسانى المتردى فى غزة قد ازداد سوءًا يومًا بعد آخر، فيما لا تزال الحركة تصر على البقاء فى القطاع لأجل المساومة عليه داخليًا فى ملف المصالحة مع فتح والسلطة الفلسطينية، وخارجيًا مع القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر.
وأعرب العشرات من المنظمات الأهلية، ومنظمات حقوق الإنسان فى قطاع غزة عن قلقها البالغ تجاه خطورة الأوضاع الصعبة التى يعيشها المواطنون الفلسطينيون فى قطاع غزة، والناتجة عن الاحتلال والحصار والعدوان، والتى يسهم الانقسام بين حماس وفتح وتطوراته الخطيرة فى مزيد من تعميق المعاناة الإنسانية فى قطاع غزة.
وبحسب نشطاء غزّيين، فإن الأزمات الاقتصادية على يد إدارة حماس وفرض العقوبات الإسرائيلية الجماعية، وأزمة التيار الكهربائى المتواصلة أفضت إلى تغييرات هيكلية وعميقة فى مستوى الخدمات الضرورية التى خلقت واقعاً كارثياً، وضاعفت من معاناة السكان المدنيين.
وحسب بيان سابق صادر عن عشرات المنظمات الأهلية الغزّية، حصل مبتدا فى وقت سابق على نسخة منه، تشهد أوضاع المرضى تدهوراً خطيراً جراء القيود المفروضة على حريتهم فى الوصول إلى المستشفيات خارج قطاع غزة، فى ظل ضعف إمكانيات قطاع الصحة فى غزة وعدم قدرته على التعامل مع كثير من الحالات، لا سيما المصابة بأمراض خطيرة كالسرطان وغيره.
وترى المنظمات أن أزمة التيار الكهربائى، التى تفاقمت من جديد، تشكل تحديًا إضافيًا خاصة فى ظل غياب خطط حكومية من شأنها أن تعالج الأزمة جذريًا، واستمرار التهديد بوقف معظم الخدمات الأساسية والضرورية للسكان.
ونشب خلاف كبير بين حماس والسلطة الفسلطينية على توفير ماليات توفير الكهرباء، حيث يتعطل تدفق الأموال القادمة من تل أبيب إلى القطاع فى هذا الشأن، جراء إصرار الحركة على عدم الانصياع للتوافق الفلسطينى لسنوات طويلة.

ومن جهة أخرى جاءت الإجراءات الإدارية التى نفذتها حكومة الوفاق الوطنى بحق الموظفين المدنيين والعسكريين والخصومات بنسبة تتراوح ما بين (30-60%) من الراتب بدءاً من راتب شهر مارس (2017م) لتشكل حلقة إضافية فى سياق الأزمات، التى يتعرض لها سكان القطاع. وأصابت ارتدادات هذه الأزمات مكونات البيئة العامة، مما أدى إلى ارتفاع مستوى الفقر، وتراجع مستويات المعيشة. ومما يثير المخاوف بشكل خاص احتمال انتشار الأمراض التى تعود أسبابها إلى سوء التغذية لا سيما فى صفوف الأطفال. وفى الوقت نفسه تأثرت العلاقات الاجتماعية والإحساس بالأمن الشخصى الأمر الذى يظهره تكرار جرائم السرقة، والقتل، والتوجه العام لدى الشباب نحو الهجرة وارتكاب الصعاب للهروب من هذا الواقع الكارثى.
عليه، وأمام هذا الواقع والتطورات المتلاحقة والمتوقعة، فإن منظمات حقوق الانسان الغزّية دعت مرارًا إلى وقف الإجراءات المتخذة بحق قطاع غزة والتى تفاقم من الأزمات والاختناقات الاجتماعية والاقتصادية الحادة وتضاعف من حدة معاناة أبناء شعبنا.