إبراهيم أصلان
كان الديب وقتها مسؤولا عن تقديم أقلام أدبية جديدة للحياة الثقافية عبر بوابة "صباح الخير"، إذ كان إبراهيم أصلان فى مقدمتها، وقتها فقط استشعر الديب أن هذا الرجل سيصبح أديبا كبيرا، بل "أهم مبدعى جيله".

كان علاء الديب يرى أن أصلان، الذى مرت أمس ذكرى وفاته التاسعة، تجربة غنية جدا فى تاريخ الأدب الحديث، ليس فقط بسبب امتلاكه لناصيتى الخيال والجودة فى التعبير، بل لامتلاكه أساس الحكمة، منذ أن بدأ الكتابة فى سن ربما يكون متأخرا عن أقرانه.

أصلان نفسه، فى أكثر من لقاء، كان يؤكد أنه عاش حياة غنية متنوعة، خُزِّنت فى عقله وضميره، لم يكتب عنها إلا القليل بالتأكيد، وتحديدا فى "مالك الحزين" و"وردية ليل"، ولكنه كتب بها مثلما يكتب بالقلم، كان يرى أن الأفضل أن يكتب الأديب بالقلم، لا يكتب عنه.
حكمة أصلان الرئيسية التى حاول أن ينقلها للأجيال الجديدة أن يقيس جودة ما يكتب بـ"المُستبعد"، وليس بما خرج، و"المستبعد" الذى كان يذكره العم إبراهيم دائما هو المخزون الحياتى والتجربة المعاشة، التى عن طريقها يخرج الإبداع، بل ربما يخرج الكلام والتفكير فى الأساس.
وهذا يفسر نسبيا المنجز العددى القليل لإبراهيم أصلان بالمقارنة بأبناء جيله، فكان يرى أن الحديث عن عالمه المتعدد فى كتاباته ورغبته فى كتابة المزيد من الإبداعات، نوع من "الصلافة"، لا يدعو للفخر أبدا.

استبعد أصلان أجزاءً كبيرة من حياته فى كتابته، لكنه كان يتذكرها جيداً. يتذكر الريف حيث طفولته، وكذا يتذكر مشاهد بعينها بعد الانتقال إلى القاهرة، وتحديداً قبل مرحلة سكنه فى "إمبابة"، إذ عاش فترة بالقرب من المشهد الحسينى فى الجمالية، وكذلك فى ميدان "باب الشعرية"، أثناء الحرب العالمية الثانية.
"الونسة" هى سبب الكتابة عند إبراهيم أصلان، و"الونسة" هى حالة الدفء التى يولدها التواصل بين الناس، والتى كان يشعر دائما أنها مهددة بالذبول مع تقدم الحياة، ولكن الكتابة هى التى تحافظ على هذا الدفء وعلى حماية المشاعر الإنسانية، وذلك عبر التقاء الرؤى المختلفة بين الكاتب وجمهور القراء.

ربما لم يتحدث مبدع عن تلك العلاقة القوية بين الكاتب ونصه وعالمه المكتوب مثل إبراهيم أصلان، فى متتالية "حجرتان وصالة" مثلا، وفى مشهد كان يجب أن يكون مؤثرا لموت بطل المتتالية، لكن أصلان كتبه بمنتهى العادية والسلاسة، إذ فسر ذلك فى أحد حواراته الصحفية أنه ربما كان يصنع علاقة مع الموت، نظرا لتقدمه فى السن، وشعوره بقرب لقائه.
أصلان لم يكتب الروايات التى تُسمى فى زمننا هذا بـ"روايات الكعوب"، أو الروايات التى تضم مئات الصفحات، وهذا يحيلنا بالتأكيد لـ"المُستبعد" الذى اعتبره أصلان مقياس الإبداع، فما خرج عن أصلان هو ناتج التجربة، لا التجربة ذاتها، والناتج لديه يشبه "القصة القصيرة" فى بنائها.

أصلان كان يرى مزاجه كاتب قصة قصيرة، لا روائى يُقاس إبداعه بعدد الكلمات والأوراق وجودة الغلاف.
كثيرون كتبوا عن المهمشين، وكثيرون كتبوا عن عوام الناس فى الحارات والشوارع والأزقة، لكن إبراهيم أصلان لم تكن تشغله الشخصيات واختلافها، قدر اهتمامه بعلاقاتهم بعضهم ببعض، وبما يفعلونه فى حياتهم اليومية العادية. لقد انشغل صاحب "خلوة الغلبان" بما يهمله الآخرون، وكان هذا سر آخر من أسرار الكتابة لديه، وهى كثيرة.