البث المباشر الراديو 9090
جمال حمدان
7 سنوات فقط تفصلنا عن مئوية ميلاد المفكر الكبير جمال حمدان، المولود فى 4 فبراير سنة 1928، والمتوفى فى 17 أبريل 1993، إثر لغز لم تفك شفرته حتى الآن، بشكل واضح، وتبقى تكهنات ضلوع إسرائيل فيه الأكثر بروزًا وتداولاً.

جمال حمدان، ليس فقط مفكر جغرافى، بل فيلسوف حقيقى يربط الزمان بالمكان بالخصائص الموجودة فى البشر والحجر والأرض. ولعل كتابه الأهم "شخصية مصر" هو الأشهر بين كتاباته، إلا أن هناك كتاب آخر لا يقل أهمية عنه اسمه "القاهرة" المنشور طبعته الأولى فى دار الهلال فى سنة وفاته 1993.

مركزية المقطم

يرى حمدان أن القاهرة مدينة "معتقة" وليست "عتيقة" حسب وصفه، ذلك بسبب العراقة التاريخية، والمراحل والأدوار العديدة التى لعبتها طوال الزمن، منذ نشأتها القديمة على يد الفاطميين. القاهرة عمرانيًا يراها حمدان قد ارتكزت فى نموها على خط قاعدى وهو سلسلة جبال المقطم، منه انطلق العمران، وعنده توقف، فيرى المثقف الكبير أن التطور العمرانى استطاع طوال السنين الماضية أن يتمدد حتى تجاوز النيل نفسه، لكنه لم يتجاوز سلاسل جبال المقطم، حتى وقت تأليفه للكتاب.

ويدلل حمدان على وجهة نظره بأنه منذ الفتح العربى كان مقر الحكم لصيقا بجبال المقطم، وقلعة الأيوبيين وما قبلها، شهود على هذا الأمر. ربما بدأ الخروج من أسر الجبل فى بدايات القرن قبل الماضى فقط، القرن الـ19، وتحديدًا منذ عصر محمد علي، إذ أخذت بعض أجهزة الدولة ومؤسساتها فى الهجرة من شرق المدينة إلى غربها، إذ تكونت كتل ضخمة من المجتمعات العمرانية، فى الأزبكية، ثم منطقة وسط المدينة، فمصر الجديدة، وهكذا.

ولأن مدن العالم أجمع تعانى من حيث تأثير حركة العمران تلك على الطبيعة السكانية، بين الأماكن الأقدم والأماكن الأحدث، إلا أن ذلك لم يحدث فى القاهرة، إذ صار هناك تجانس بشرى سكانى نسبى من حيث العادات والتقاليد مقارنة بمدن أخرى فى العالم، بين المركز (القريب من المقطم)، وبين المجتمعات المنشأة فى القرن الـ19 (البعيدة عن المركز).

القاهرة مروحية الشكل

يقول جمال حمدان فى كتابه إن القاهرة (وقت كتابته للكتاب) مروحية فى شكلها وامتدادها، ضيقة طولية فى الجنوب، ثم تنفرج فى مروحة واسعة فى الشمال، هى تشبه الدلتا بشكل كبير، وهذه المروحة بحركتها الدائرية رمز مهم ربما قصده حمدان باعتبار أن القاهرة مصهر مصر، أى انصهر فيها الجميع منذ بدايات عملية التحضر والتى تبعتها هجرة من الريف والصعيد.

الدراسات تؤكد أن ثلث سكان القاهرة من المهاجرين، كان هذا بالتأكيد وقت كتابة الكتاب، ولكن ربما زادت حركة الهجرات بعد ذلك، تزيد نسبة هجرات سكان ريف الدلتا عن سكان ريف الصعيد بنسبة قليلة، ولكن حمدان يشير إلى أن هذا المزيج استطاعت القاهرة أن تصهره بحركتها الدائرية، ليصبح هناك تناغم واضح بين طبيعة منظومة العلاقات بين السكان.

استراتيجية "التنصيف"

يرى حمدان أن العاصمة القاهرة أصابتها وقت كتابة الكتاب، تخمة واضحة، إذ تجاوزت السقف الأعلى لحجمها الأنسب، سواء بالنسبة لموضعها المحلى، أو لحجم سكانها. ويقدم الباحث الجغرافى الكبير حلولاً ربما شهدنا منها الكثير حاليًا، ويجمل تلك الحلول فى ثلاثة أشياء: المضاعفة، التثبيت، والتنصيف.

ويقصد حمدان بـ"المضاعفة" أى زيادة حجمها ببناء العديد من المجتمعات العمرانية والمدن الجديدة القريبة منها، فيما يقصد بـ"التثبيت" أى محاولة تثبيت نموها العمرانى والسكانى فى نفس الوقت. أما "التنصيف" فربما يكون قد قصد من اللفظة فكرة "الإنصاف" أى إنصاف الأقاليم، أو تكثيف المدن الإقليمية، أو بمعنى أدق مضاعفة أحجامها، وإعادة توزيع القيم فى شبكة متكافئة حضاريًا وبشريًا واقتصاديًا فيما بينها. ربما قصد كذلك من لفظة "التنصيف"، التقسيم، أو تخفيض حجم القاهرة سكانيًا وعمرانيًا إلى النصف، بعد أن صارت القاهرة (على حد تعبيره) كائنًا أخطبوطيا يمتص دم الأقاليم..

يبدو حمدان منحازًا أكثر لهذا الحل، باعتباره تحاشيًا لخطر التخمة والتى تؤدى إلى انفجار فى الرأس (القاهرة)، وشلل زاحف على الأطراف والعظام (الأقاليم).

ما بعد الكتاب

كان جمال حمدان مستشرفًا المستقبل بشكل كبير. كان يعى الظروف والمقدمات التى تؤدى إلى نهايات متوقعة.

رأى الكثير فى مؤلفاته، ومن بينها كتابه عن "القاهرة". وما حدث بعد رحيل حمدان بسنوات كان قريب الشبه بما كان يدعو إليه، فالمدن الجديدة التى بُنيت فى التسعينيات والسنوات الأولى من الألفينيات، والعاصمة الإدارية الجديدة التى بدأ بناؤها منذ سنوات قليلة، وحتى ممرات التنمية التى دعا إليها مفكرون عمرانيون، ما هى إلا حلول توفقية للحلول التى دعا إليها حمدان بعد التخمة الكبيرة التى أصابت العاصمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز