البث المباشر الراديو 9090
كثرة الإنجاب
فى العصور الإسلامية الأولى كانت الحاجة تستدعى، وفقاً لبعض الفقهاء، إلى الإنجاب والتكاثر، حتى تصير الأمة قادرة على القيام برسالتها لنشر وتعمير الأرض، إذ أن القوى البشرية واحدة من أهم عناصر الإنتاج والتقدم والازدهار.

كان ذلك فى فترة ما فى تاريخ الإنسانية، حتى جاءت السنوات الوسيطة فى القرن الـ19، وهى التى أطلقت عليها مراكز الأبحاث الديموغرافية فى العالم اسم "فترة الطفرة السكانية" - مواليد بين عامى 1945 و1965 -، تلك الفترة التى انفجر فيها عدد سكان أهل المعمورة بشكل لم يسبق له مثيل، ولأن مصر كانت جزءًا من هذه الطفرة، فقد تضاعف عدد السكان بشكل كبير حتى وصل إلى أكثر من 20 مليون نسمة، الطفرة الأكبر فى مصر جاءت فى السنوات الثلاثين الأخيرة، والتى زاد فيها عدد السكان إلى الضعف بشكل واضح، فى أواخر الثمانينيات كان تعداد مصر نحو 50 مليون نسمة، الآن يزيد عن الـ100.

تنموياً، الأمر خطير، فالجهد الذى يبذله الجميع - حكومة وشعبًا - من أجل سد حاجة هذا العدد الكبير، على مستوى السكن والمأكل والملبس والتعليم والصحة، سيكون مضاعفًا للغاية، ولكن ماذا عن رأى الفقه؟، هل سيكون الرأى شبيهًا لرأى الفقهاء السابق، أم لكل زمان فقهه؟

"تناكحوا تناسلوا، فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة"، حديث شريف يستند إليه البعض فى مسألة كثرة الإنجاب، ولكن بغض النظر عن مرتبة الحديث بين الضعف والقوة، فإن تلك الكثرة التى دعا إليها الحديث النبوى لاشك أنها ستكون مشروطة، بأن تكون "كثرة قوية قادرة" على أداء دورها فى الحياة، مشروطة أيضاً بالقدرة على رعاية الأبناء رعاية طبية وفقًا لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، و"كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يعول".

الصحة  الإنجابية

وعلى هذا، فإنه يجوز العمل على تقليل حدة النمو السكانى، وفقا لفتوى أصدرها الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، والذى قال إن "تحديد النسل" جائز شرعًا، وإنه يجوز للزوجين أن يلتمسا وسيلة من الوسائل المشروعة لتنظيم عملية الإنجاب بصورة تناسب ظروفهما، ولا ينطبق على هذه الوسائل التحذير من قتل الأولاد خشية الإملاق لأنهم لم يتكونوا بعد"، وأكد أن رأى الدين يدعو دائمًا للتوازن بين عدد السكان وتحقيق التنمية، حتى لا تؤدى كثرة السكان إلى الفقر، كما استنبط الإمام الشافعى ذلك من قوله عز وجل: (فإن خفتم ألا تعدلوا).

واستقرت دار الإفتاء فى فتواها على أن تنظيم الأسرة من الأمور المشروعة والجائزة شرعًا، وهذه المنظومة التى نسير عليها متسقة مع منظومة التشريعات المصرية، كما أن الإسلام يدعو للغنى وليس الفقر ويدعو للارتقاء بالمجتمع والأسرة، لافتة إلى أن إضاعة المرء لمن يعول ليس فقط بعدم الإنفاق المادي، بل يكون أيضًا بالإهمال فى التربية الخُلقية والدينية والاجتماعية، فالواجب على الآباء أن يحسنوا تربية أبنائهم دينيًّا، وجسميًّا، وعلميًّا، وخُلُقيًّا، ويوفروا لهم ما هم فى حاجة إليه من عناية مادية ومعنوية.

ونبَّه المفتى على خطورة الاعتقاد بضرورة التكاثر من غير قوة، مشيرًا إلى أن ذلك داخل فى الكثرة غير المطلوبة التى هى كـ"غثاء السيل"، وأكد أن تنظيم النسل لا تأباه نصوص الشريعة وقواعدها قياسًا على "العزل" الذى كان معمولًا به فى عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ويجوز للزوجين أن يلتمسا وسيلة من الوسائل المشروعة لتنظيم عملية الإنجاب بصورة مؤقتة إلى أن تتهيأ لهم الظروف المناسبة لاستقبال مولود جديد يتربى فى ظروف ملائمة لإخراج الذرية الطيبة التى تقر بها أعين الأبوين، ويتقدم بها المجتمع، وتفخر بها أمة الإسلام.

الإنجاب

مسألة "العزل" أكد عليها أمين الفتوى بدار الإفتاء، الدكتور مجدى عاشور، قائلاً: "فى أيام الرسول كان يتم تنظيم النسل من خلال العزل، حيث يتم الآن فهم خاطئ للحديث النبوى (تكاثروا فإنى مباه بكم الأمم)، حيث إن المقصود من الحديث هو الأقلية المنتجة، والكثرة الكيفية والنوعية"، مؤكداً أن مفهوم العزوة المنتشر فى قرى مصر هو سبب الزيادة السكانية الكبيرة، وهى مشكلة ثقافية قبل أن تكون دينية. وينصح عاشور الأسرة المصرية بتنظيم النسل لتربية الأبناء تربية جيدة "حتى يكونوا لبنة نافعة فى الوطن، ولبنة قوية فى كيان المجتمع".

أمر أخطر نبه إليه منذ فترة، الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية سابقًا، وهو ارتباط الزيادة السكانية بانتشار التطرف، فقال فى تصريح إعلامى إن الزيادة السكانية تُعد بلاء ابتُلى بها العصر الحديث، فبزيادة عدد السكان لم يعد هناك من العلماء المتصدرين من يكفى لتوجيه، وإرشاد ونصح المواطنين، مما جعل المتطرفين يتصدرون المشهد فى هذا الأمر.

وأضاف جمعة "فى عام 1950 كان عدد المصريين 17 مليون مواطن، وكان هناك 15 معهدا أزهريا فقط، وكانوا يكفون لنصح وإرشاد الناس، وكان الناس دائمًا ما يلجؤون للعلماء فى أمور دينهم"، مضيفًا "تضاعف الآن عدد العلماء، لكن فى الوقت ذاته تضاعف عدد السكان نحو 6-7 مرات بعد أن أصبح عدد المصريين أكثر من 100 مليون مواطن".

هذا الأمر علق عليه الدكتور إبراهيم عبدالمقصود، أستاذ الفقه، بضرورة ترك الأفكار التى تجاوزت زمنها، والنظر إلى واقع الحال، الذى يفرض تحديات كبيرة، من بينها خطر زيادة السكان، والتى ستؤثر سلبًا على صحتهم، بسبب قلة الأطباء، وقلة الأماكن التى تقدم الخدمة الصحية، مها زاد عددها، وهو الأمر الذى يستوى مع فكرة انتشار التطرف بسبب قلة أعداد الوعاظ، وتشتت الرسالة التى يقدمها البعض نتيجة التضاعف المستمر لعدد السكان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً