البث المباشر الراديو 9090
شاكر عبدالحميد
رحل شاكر عبدالحميد أمس بعد أن حاول الصمود أمام فيروس كورونا اللعين، الذى يواصل حصد أرواح الأقربين للعقل وللقلب، رحل بعد معاناة استمرت لفترة، كان أصدقاؤه فيها عوناً له، وسنداً، لم يكفوا فيها عن الدعاء، ولم يكلوا من طلب الشفاء له من الله، ظل هو راقداً فى العناية المركزة بمستشفى العجوزة للحجر الصحى، وظل الجميع يدعون له، يتذكرون جلساته المثمرة على مقاهى القاهرة العامرة، يصفونه دائماً بالطيب المجامل الذى لم يبخل على أحد بمعلومة أو باستشارة، يتحدثون عن علمه الذى تركه، والذى سيُنتفع به إلى أبد الآبدين.

رحل شاكر عن عمر يناهز الـ69 عاماً، بعد حياة مليئة بالنجاحات والتحقق، الراحل ولد فى سنة ثورة يوليو، وتحديداً قبل شهر واحد من الثورة، كانت صرخاته الأولى رضيعاً تتداخل مع صرخات الحناجر المصرية فى الشوارع التى تهتف بالثورة على الفساد والمحسوبية، ولد فى أسيوط، بصعيد مصر، فاكتسب صفاته، حيث الرجولة والانتماء والولاء الشديد للعائلة وللوطن، لا عجب أيضاً فى أن نشأته كانت فى محافظة تشتهر بالتواجد القبطى الكبير، وهذا ما أعطاه بعداً آخر فى شخصيته، وهو التسامح الذى كان يميزه.

من جامعة القاهرة حصل على كل درجاته العلمية المهمة، الليسانس سنة 1974، ثم دبلوم علم النفس التطبيقى تخصص علم النفس الإكلينيكى فى 1976، والماجستير تخصص علم نفس الإبداع فى 1980، ثم الدكتوراه فى ذات التخصص سنة 1984.

شاكر عبدالحميد وجمال القصاص

خرجت أول مؤلفاته "العملية الإبداعية فى التصوير" للنور سنة 1987، عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، وهى السنة التى نشر فيها أول دراسة كبيرة له فى مجلة عالم الفكر، وكانت بعنوان "المرض العقلى والإبداع الأدبى"، توالت بعد ذلك مؤلفاته ودراساته المنشورة فى مجلات عربية وعالمية، وشارك ببعضها فى كثير من الملتقيات والمؤتمرات الكبرى.

وبالتوازى، لم ينس شاكر عبدالحميد أهمية خلق أجيال جديدة من المتذوقين للفنون فى مصر، إذ عمل وكيلا وعميدًا للمعهد العالى للنقد الفنى، وعميدًا للمعهد العالى للفنون الشعبية، ومشرفًا عامًا على مركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون ثم نائبًا لرئيس أكاديمية الفنون منذ عام 2003 حتى 2005، عمل كذلك مديرًا لمركز أبحاث الموهبة وتنمية الإبداع بأكاديمية الفنون، بل ساهم فى تطوير نظم امتحانات القبول بالأكاديمية منذ 2005.

شاكر عبدالحميد

المناصب التى تولاها شاكر لم تنسيه أبداً أصدقاءه أو إبداعه، إذ عمل أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، ثم تولى منصب وزير الثقافة بوزارة الدكتور كمال الجنزورى فى 2011، ولكنه فى هذا الوقت مثلاً أصدر عدداً من الكتب المهمة للغاية، ومنها "الفن والغرابة" الصادرة عن دار ميريت للنشر والتوزيع، و"الغرابة.. المفهوم وتجلياته فى الأدب" فى سلسلة عالم المعرفة، و"الفن وتطور الثقافة الإنسانية" عن دار ميريت كذلك، بالإضافة إلى العملية الإبداعية فى فن التصوير 1987، والطفولة والإبداع - خمسة أجزاء 1989، والأسس النفسية للإبداع الفنى فى القصة القصيرة خاصةً 1996.

ومن ضمن مؤلفاته أيضا، الفكاهة والضحك - رؤية جديدة 2003، عصر الصورة - السلبيات والإيجابيات 2005، الخيال من الكهف إلى الواقع الإفتراضى 2009.

إسهاماته فى العلاقة بين علم النفس والتذوق الإبداعى كثيرة وعديدة، له فى هذا المجال عدد من المؤلفات، ومنها "الأدب والجنون" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة فى 1993، و"علم نفس الإبداع" ـ القاهرة ـ مكتبة غريب 1995، له كذلك دراسات فى الفن التشكيلى والسينما، وكذلك مترجمات لمقالات ودراسات عالمية حول تذوق الفنون بكافة أشكالها.

شاكر عبد الحميد حاز على جوائز عديدة على رأسها: "جائزة شومان للعلماء العرب الشبان فى العلوم الإنسانية والتى تقدمها مؤسسة عبد الحميد شومان بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1990، جائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية – مصر – 2003، جائزة الشيخ زايد للكتاب فى مجال الفنون -2012 عن كتاب الفن والعرابة".

لقد ترك شاكر إرثاً عظيماً يصلح لأن يكون محتوى للمناهج الدراسية، سواء للطلاب الدارسين للفنون، أو لطلاب المدارس، إذ سيكون إرثه هذا "علماً يُنتفع به" فى تعليم طلاب المدارس معنى تذوق الفنون وأسسه وأغراضه، وهو الأمر الذى يفتقده الطلاب فى مراحل التكوين والنشأة الأولى للعقل والضمير، سيكون علم شاكر عبدالحميد نواة لإصلاح ذوق أجيال شكا الكثيرون من فساده.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز