لبنانية فى بولاق.. رؤية مصر بعين الآخر
نتحدث مثلاً عن "رسائل عن مصر" للرحالة الفرنسى كلود إيتان سافارى، وهى الرسائل التى كتبها بين عامى 1785 و1786، نتحدث كذلك عن كتاب "رحلة إلى سوريا ومصر" والذى كتبه قسطنطين فرانسوا فولنى عام 1787، "وصف مصر" الذى وضعه علماء الحملة الفرنسية (1798 - 1801) كذلك من بين هذه الدراسات المهمة، فضلاً عن كتاب آخر "رسائل ليدى دوف جوردون، الذى ترجمه الأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد، وصدر منذ عامين، وفيه كتبت الكاتبة والمترجمة المهمة ليدى دوف جوردن رسائلها الخاصة إلى زوجها وأمها أثناء وجودها للاستشفاء فى مصر بين عامى 1862 و1869.
تختلف كذلك طريقة الكتابة عن مصر بين المستشرقين، فهناك من اعتمد طريقة الرسائل، وهناك من اعتمد طريق الدرس والبحث، فى حين أن بعض آخر اعتمد طريق المشاهدات اليومية، التى كانت أكثر حيوية وتفاعلاً مع الواقع.
الكتاب العرب والشوام الذين عاشوا فى مصر كذلك لهم إسهامات فى هذا الأمر، لكن الملاحظ أنها كانت كتابات مبكرة، ربما تكون قد انقطعت منذ القرن الـ20، وربما أيضاً تكون قد أحيتها الإعلامية والكاتبة اللبنانية راسيا سعادة فى كتاب مهم صدر حديثا بعنوان "لبنانية فى بولاق".
الكتاب على بساطة فكرته راصد للحياة المصرية من خلال عين فتاة لبنانية قررت أن تعيش فى مصر خلال السنوات الماضية، حيث رياح التغيير التى ضربت المجتمع بقسوة شديدة، إذ رأت الكاتبة أن تدون ما حدث لها بعين ليست راصدة فقط، بل ناقدة ومحللة لما يحدث حولها ومعها، فهى الفتاة شديدة الجمال التى جاءت من أرض الجمال، لبنان، لتعيش وتعمل فى مصر، تحتك بأهلها، وتتعامل بحب وود بما فى عقلها وقلبها من عشق خاص لقلب الوطن العربى، لتدون ما عاشته من لحظات الانتصار والانكسار، الدعم والتخلى، الأمل والإحباط، الفرح والحزن.
تبدأ راسيا كتابها بإهداء طويل إلى الأب الراحل، والأم المعلمة، والأشقاء، وبيوت لبنان ومصر، خاصة المناطق الفقيرة فيها، وإلى كل من مروا بحياتها، بشكل عابر أو بشكل حقيقى.
مقدمة الكتاب عبارة عن تعريف بالكاتبة التى تعرفت بمصر مثلما يتعرف عليها كل عربى، من خلال الأفلام والمسلسلات والقصص والحكايات التى تنسج فى البيوت وعلى المقاهى وبين الأزقة والطرقات عن مصر وأهلها وتاريخها، بل وحاضرها أيضاً، الحاضر الذى وصفته راسيا باعتبارها تملك عيناً ناقدة عميقة وعيناً راصدة لما تراه بشكل يومى.
فكرة الاختلاف فى المصطلحات كانت أول ما اصطدمت به راسيا فى مصر، إذ إن استخدامها لبعض المصطلحات (العادية والطبيعية فى لبنان) جلب لها مزيداً من المتاعب، ليس لشىء سوى لأنها مصطلحات "غير معتادة" فى مصر.
لكن شهامة أولاد البلد أكثر ما أعجبها فى مصر، حتى مع الانكسارات التى انتهت بها بعض المواقف التى عاشتها.
السائق "معلش"، هو نموذج لسائق تعرفت عليه راسيا فى بداية رحلتها، وهو نموذج للسائق الذى نراه يومياً فى شوارعنا المصرية، الذى يعتمد على "فهلوة" لا تخلو من ارتباك وقت الأزمة، فهو السائق الذى ربما لا يعرف المكان الذى تريد أن تذهب إليه، لكنه يتخذ قرار الذهاب دون أى تفكير، وعندما تسوء الأمور، فهو يرد برد واحد: "معلش".
كذلك اصطدمت الكاتبة بجملة "كل سنة وإنت طيب" التى كانت تسمعها كل يوم عشرات المرات، والمعروف فى أدبيات الشارع فى السنوات الأخيرة أن تلك الجملة لا ترتبط بمناسبة أو بعيد، ولكنها جملة يقولها الكثيرون من أجل إعطاء المال لهم.
كذلك اصطدمت الكاتبة اللبنانية أثناء حياتها فى مصر بمهنة "السايس" الذى صار يحتل الشوارع المصرية بشكل عام.
اصطدمت بشخصيات خذلتها، وأخرى ساعدتها فى مهمة إيجاد عمل يعينها على الحياة.
لراسيا تعبيرات أدبية خاطفة للنظر مثل إطلاق كلمة "الفجائى" على صداقات كانت تظهر فجأة وتختفى فجأة، كذلك إطلاق لفظ "موزاييك" على مصر كلها، وهو لفظ دال على الاختلاط والتكامل المدهش الذى رأته الكاتبة فى مصر، فهى قد ترى الفصول الأربعة فى وقت واحد، قد ترى تكامل الحضارة العريقة التى وجدتها فى الأقصر، مع الإنسان العريق الذى رأته فى أسوان.
ما يميز رحلة راسيا فى مصر أنها تشمل علاقتها بالإنسان والمكان والتأثير المتداخل بين هذا وذاك، والذى نتج عنه تجربة خاصة، لا تقل أهمية عن التجارب الأولى لوصف مصر فى السابق، لكنه وصف يليق ببدايات القرن الـ21، سريع وخاطف، يحتوى على نظرة فاحصة ومتمرسة، ولكن من دون تحليل بحثى بالمعنى الأكاديمى، يليق أيضاً بكتب المشاهدات التى لا تقل أهمية عن كتب الدراسات البحثية، إذ تعنى أول ما تعنى بالمشاهدة الظاهراتية.
الكتاب الصادر عن دار السراج رغم أنه يقع ى نحو 190 صفحة، إلا أنه يقدم صورة حية للحياة فى مصر بعيون الآخر، ورغم أن التجربة عميقة للغاية، إلا أن الغلاف ربما لم يكن بقدر الأهمية التى بين السطور.