ليلى مراد
الموسيقى هنا لليلى فقط. لا أحدًا غيرها. روح المكان ينطق باسمها، حتى الطعام والشراب المقدم للزبائن، لا يبتعد عن مذاق أغانيها. زكى هو ابن ليلى الثانى، وهو أيضا صاحب المطعم. وهبه لها، ولروحها المبدعة المتألقة. على أنغام "قلبى دليلى" التى لحنها محمد القصبجى، يجلس رواد المطعم، الذين هم من سكان منطقة وسط القاهرة غالبًا. يخترقون جدار الزمن ليعودوا إلى زمن ليلى مراد.
زمن ليلى يمتد إلى سنوات بعيدة. منذ قرن تقريباً جاءت ليلى إلى الدنيا لأسرة يهودية بمدينة الإسكندرية. أسموها "ليليان". والدها هو المغنى والملحن إبراهيم زكى موردخاى الذى صار فيما بعد زكى مراد، بطل أوبريت "العشرة الطيبة" للموسيقار سيد درويش. أما أمها هى جميلة سالومون البولندية الأصل.

الجميع أدرك موهبتها سريعا. 14 عامًا فقط مرت حتى تنبه والدها وصديقه الملحن المصرى الكبير داود حسنى إلى موهبتها وصوتها العذب. بدأت ليلى بالغناء فى الحفلات الخاصة ثم العامة. تقدمت للإذاعة المصرية كمطربة عام 1934 ونجحت. بعدها سجلت اسطوانات بصوتها.
فى عمر 19 عامًا وقفت أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب والمخرج محمد كريم فى فيلم "يحيا الحب". وكانت قد غيرت اسمها إلى ليلى مراد. لم تلفت الأنظار كممثلة، لكن كمطربة. رصيدها السينمائى لم يتجاوز 27 فيلمًا، رغم أن أقرانها من المطربات المصريات الكبيرات صنعوا أضعاف هذا الرصيد. ارتبط اسمها باسم الممثل والمخرج المصرى الراحل أنور وجدى، بعد أول أفلامهما. اسم الفيلم كان "ليلى بنت الفقراء". كانت النتيجة الطبيعية هى الزواج. حدث ذلك فى العام 1945، وقدما معا واحدًا من أهم أفلام السينما المصرية، "غزل البنات".
يُروى أن أنور وجدى كان له دور فى إشهار إسلامها. يُروى أيضا أنها ذهبت إلى الأزهر الشريف فاستقبلها شيخه محمود أبو العيون، وأشهرت إسلامها على يديه، لتقام الأفراح والليالى الملاح فى أشهر شوارع القاهرة، احتفاءً بالولائم التى قدمتها للناس.

عاشت ليلى حياة هادئة. تزوجت مرتين بعد وفاة وجدى. إحدى الزيجات كانت من المخرج الكبير فطين عبدالوهاب، والد زكي. عاشت ونجحت وأبهرت الكثيرين، لكنها اعتزلت مبكرًا. آخر أفلامها "الحبيب المجهول" كان فى منتصف الخمسينيات، وآخر ظهور لها للجمهور كمطربة كان فى هذه الفترة أيضا، باستثناء تسجيل قديم متهالك غنت فيه "تخونوه" لبليغ حمدي، وكانت هى التى ستغنيها.
فى حياتها صدر كتابان عنها "رحلة حب مع ليلى مراد" لصلاح طنطاوى، نشرته مؤسسة روز اليوسف ضمن سلسلة الكتاب الذهبى سنة 1979، والكتاب الثانى "يا مسافر وناسى هواك" لعادل حسنين وصدر سنة 1973. وذكر الكتابان أشياءً عن أسباب الاعتزال، مثل حزنها على وفاة أنور وجدي، وكذلك زواجها من فطين عبدالوهاب.
لكن الناقد أشرف غريب يُرجح أن سبب اعتزالها، سياسى بحت، إذ يقول "ليلى مراد لم تستطع قراءة المشهد السياسى بعد ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وجاهرت بحبها لمحمد نجيب". ومهما كان الاختلاف حول سبب الاعتزال إلا أنه تم وهى فى ذروة مجدها، إذ لم تبلغ من العمر وقتها 38 عامًا، ليظل قرار الاعتزال لغزًا لم يستطع حتى ابنها زكى الإجابة عليه.

زكى يقول "كان يُعرض على والدتى سيناريوهات أفلام كثيرة بعد الاعتزال، لكنها لم توافق عليها، وقد عرض عليها المخرج حسين كمال والسيناريست إسماعيل ولى الدين فى عام 1974 سيناريو فيلم يحكى قصة حياة فنانة معتزلة، وكان السيناريو فيه بعض ملامح من حياتها الشخصية، ولكنها رفضت".
بعد الاعتزال، وفى السنوات الأخيرة من عمرها، مرت ليلى، وفقا لابنها زكى، بحالة من الاكتئاب والاعتزال عن العالم، وفى حينها لم يستطع زكى أن يتعامل مع شعورها بالضعف والاستسلام، فلم يعطيها ما أرادته. رحلت ليلى سنة 1995. عاشت 40 عاما كاملة بعيدة عن الأضواء. لكنها كانت فى القلوب، وفى الأسماع.
رحلت بعد حياة هادئة. رحلت مظلومة من الجميع، حتى من ابنها الذى قدم لها اعتذارا علنيًا فى أحد البرامج التليفزيونية المذاعة بعد 20 سنة على وفاتها، عما بدر منه فى آخر أيام حياتها.