البث المباشر الراديو 9090
السيسي مع عقيلة وحفتر
قديما، تعلمنا فى المدارس أن مصر هى قلب الأمة العربية، بحكم موقعها الذى يتوسط الوطن العربى، بين شرق يضم الجزيرة العربية، وغرب يحتوى على عرب إفريقيا، وبحكم مركزيتها كأقدم دولة عبر التاريخ الحديث، وكذا بحكم قوتها السياسية وشعبها القوى الفاعل.

ولأن للتاريخ حركة مستمرة، فإنه تأتى بعض الأوقات التى يتحتم على مصر أن تمارس دورها فى حماية أمنها، وأمن حدودها، من توترات لا سبب لها فيها، كالتى تحدث فى غزة بين حين وآخر بين الفصائل الفلسطينية بعضها ببعض، وبينها وبين الجانب الإسرائيلى من جهة أخرى، وكالتى تنشب أيضا فى ليبيا نتيجة الأوضاع المضطربة خلال السنوات العشر الأخيرة، أو كالتى تظهر بين الحين والآخر على الحدود الجنوبية، بين شمال وجنوب السوادن.

ويلعب المفاوض المصرى دورا حيويا ومهما فى نزع فتيل الأزمات فى تلك المحاور الثلاثة، فلسطين وليبيا والسودان، سواء عبر الوفود الأمنية رفيعة المستوى، أو الدبلوماسية الرسمية، أو على مستوى القيادة السياسية نفسها، وهو دور قدرى كُتب على مصر باعتبارها الدولة الأهم فى المنطقة.

زيارة رئيس المخابرات لقطاع غزة

الوفود الأمنية رفيعة المستوى تنجز مهامها بشكل واضح فى فلسطين، لخدمة القضية الفلسطينية، التى لطالما أكدت القيادة السياسية المصرية أنها من بين الأولويات على الساحة، إذ تتولى تلك الوفود ملفات عدة، أهمها ملف ترتيب البيت الفلسطينى وإنهاء الانقسام الداخلى بين حركتى فتح وحماس، هذا الملف كان دائما حاضرا على طاولة المناقشات التى كانت تجمع الوفود الأمنية المصرية، والمسؤولين الفلسطينيين.

ولعل آخر التحركات المصرية المستمرة فى ذلك الجانب، هى زيارة رئيس المخابرات العامة الوزير اللواء عباس كامل، إلى الأراضى الفلسطينية، الأسبوع الماضى، والتى التقى خلالها الرئيس الفلسطينى محمود عباس، وقادة حركة حماس، حيث نقل للرئيس الفلسطينى، رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسى، أكد فيها دعمه ومساندته للشعب الفلسطينى بالفعل قبل القول وأن القضية الفلسطينية ستبقى على رأس اهتمامات الدولة المصرية.

لقاء رئيس المخابرات مع قادة الفصائل الفلسطينية

كما التقى رئيس جهاز المخابرات العامة، خلال زيارته لغزة، مع قادة حركة حماس، برئاسة يحيى السنوار للتشاور حول تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، وإعادة إعمار المناطق المتضررة فى قطاع غزة.

وجاءت زيارة رئيس المخابرات العامة لفلسطين، بتوجيهات من الرئيس عبدالفتاح السيسى، لإعادة صياغة الواقع الفلسطينى وإعادة القضية إلى مسارها الصحيح وترتيب البيت الفلسطينى، وتثبيت التهدئة وإطلاق عملية السلام بمشاركة الرباعية الدولية وإعمار قطاع غزة.

كما تكللت تلك الجهود، بحضور قوى على المستوى الرسمى منذ أربعة أعوام تقريبا "فى أكتوبر 2017" مع إعلان المصالحة الداخلية هناك بين الفصائل المتنازعة، برعاية الرئيس السيسى.

كما أن التوترات الدائمة بين الجانب الإسرائيلى والآخر الفلسطينى أخذت حيزا كبيرا من نقاشات الوفود الأمنية التى تدخلت لوأد الصراعات، فخلال العامين الماضيين لم يتوقف الدور المصرى الأمنى عن إيقاف التوترات، ففى العام الماضى زارت وفود أمنية رفيعة المستوى قطاع غزة للقاء قادة الفصائل للاطلاع على التطورات الميدانية والسياسية، فى ضوء استمرار إطلاق البالونات الحارقة، وتهديد الفصائل بتفعيل الوسائل الخشنة، وتلك الزيارات أدت بالفعل إلى أزمة نشوب حرب مع إسرائيل جراء تنصل تل أبيب من تنفيذ تفاهمات تخفيف الحصار عن قطاع غزة.

أما الزيارات الأخيرة فكانت لتثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين، بعد مواجهات استمرت لفترة طويلة، راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، وتهدمت بيوت الكثيرين، ما جعل مصر تعلنها صراحة بتقديمها 500 مليون دولار لإعادة إعمار قطاع غزة، بسبب الدمار الذى لحق به.

الوفود الأمنية رفيعة المستوى تقوم فى هذه اللحظات الدقيقة بمشاورات لإنجاز مهمتها فى تثبيت وقف إطلاق النار بين الجانبين.

مصر والأزمة اللييبة

مصر أيضا قامت بدورها على أكمل وجه فى ليبيا، الأمر الذى استطاعت فيه ترتيبا جزئيا للبيت الليبى، وذلك عبر تأكيدها المتواصل على أن تكوين حكومة وحدة فى ليبيا هى الحل، وهو الأمر الذى حدث بالفعل خلال الفترة الماضية، كما عززت مصر من الهدوء الليبى، باستضافتها لاجتماعات الوفود الأمنية والعسكرية للفصائل الليبية المختلفة، فى الغردقة منذ أشهر.

الخط الأحمر الذى رسمه الرئيس السيسى فى ليبيا، قاصدا محور سرت والجفرة أتى بثماره، حيث تراجع الدور التركى بشكل كبير، بعد اتفاقات وتفاهمات بينه وبين حكومة الوفاق التى رحلت عن حكم ليبيا خلال الفترة الماضية.

ورسم الرئيس الخط الأحمر، ثم ساهمت الدبلوماسية المصرية والوفود الرسمية التى أرسلتها القاهرة إلى منطقة النزاع الليبية، فى تشكيل ملامح حكومة جديدة تقوم على إعلان القاهرة الذى خرج إلى النور فى يونيو من العام الماضى.

لقاء الرئيس السيسى مع عبدالله حمدوك والوفد السودانى

المحور الثالث وهو المحور السودانى، فإن مصر تتعامل معه بشكل لا يحيد عن ثوابتها فى دعم حقوق الأشقاء فى الدفاع عن أراضيهم، وذلك فيما يتعلق بالتوغل الإثيوبى فى الأراضى السودانية.

وتسعى مصر إلى وأد هذا الصراع قبل تفاقمه، وقبل أن تنشأ فى المنطقة حربا تستمر سنينا، لكنها فى الوقت ذاته تقف إلى جوار الحق، وترسل رسائل واضحة للجميع بأنها لن تترك أمنها عرضة للتهديد، حتى لو كانت بين حدودها ومناطق النزاع مساحة كبيرة.

كانت القاهرة حاضرة وبقوة فى اتفاق السلام السودانى الداخلى منذ سنوات، وكان حضورها أكثر قوة خلال الفترة الماضية، والمناورات النيلية بين قوات وادى النيل المشتركة خير دليل على هذا الحضور.

تتعامل مصر فى سياساتها الخارجية وفق متطلبات الموقف، فما يصلح للأزمات الناشبة فى الحدود الشرقية، لا يصلح لما يدور على الحدود الجنوبية أو الغربية، فلكل مقام مقال، ولكل حادث حديث، لكن الثابت الذى لا يتغير، والرغبة الأكيدة من القيادة السياسية المصرية، والدبلوماسية الرسمية، وكذا الوفود رفيعة المستوى، هى حماية أمن مصر من أى تهديد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز