البث المباشر الراديو 9090
بليغ حمدى
كذب المنجمون ولو صدقوا، فبليغ حمدى تنطبق عليه تمامًا صفات برج الميزان الذى ينتمى إليه بالميلاد، خصوصًا فى الكفتين التى حافظ الموسيقار الكبير دائمًا على توازنهما طوال حياته، فهو مواليد 7 أكتوبر 1931، ولد فى حى شبرا بكل ثنائياته المدهشة (مسلمين ومسيحيين، أغنياء وفقراء). اتقن بليغ العود صغيرًا (عمره تسع سنوات تقريبًا) حاول الالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، ولكن سنه كان صغيرًا، فالتحق بمدارس شبرا العادية، حتى وصل إلى مدرسة شبرا الثانوية.

الدراسة

كفة الدراسة العادية لم تأخذه من كفة حبه للموسيقى، فكان يدرس فى نفس الوقت أصول الموسيقى فى مدرسة عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية، ثم تتلمذ بعد ذلك على يد درويش الحريرى وتعرف من خلاله على الموشحات العربية. التحق بليغ بكلية الحقوق (التى لم يأخذ الليسانس فيها حتى وفاته مثلما ذكر فى إحدى اللقاءات التليفزيونية)، وفى نفس الوقت التحق بشكل أكاديمى بمعهد فؤاد الأول للموسيقى (معهد الموسيقى العربية حالياً).

الغناء والتلحين

بدأ بليغ حياته الفنية مغنيًا، حيث أقنعه محمد حسن الشجاعى، مستشار الإذاعة المصرية آنذاك، باحتراف الغناء، وبالفعل سجل بليغ للإذاعة أربع أغنيات، ولكن عقله وقلبه كان للتلحين، لحن أغنيتين لفايدة كامل هما «ليه لأ»، و«ليه فاتنى ليه» تبعتها أغنية «ما تحبنيش بالشكل ده» لفايزة أحمد، ولحن كذلك لفرقة «ساعة لقلبك» المسرحية التى ساهم فى إنشائها، بل وغنى لها أغنية شهيرة بنفس عنوان الفرقة «ساعة لقلبك».

مع احتراف بليغ للتلحين لم ينس صوته المليء بالشجن، حتى فى فترة غيابه، إذ كان غنى مع وردة وغنى ألحانه القديمة، وغنى واحدة من أهم الأغنيات الوطنية المنسية فى غربته وهى «وحشتينى يا مصر»، والتى يبدأ مطلعها بـ:«رغم البعد عنك/ عمرى ما هنسى إنك/ أمى وإنى بنتك/ وإنى حتة منك»، وهى الأغنية التى غنتها فيما بعد عفاف راضى.

بليغ حمدى ووردة

الشعبى والكلاسيكى

«تخونوه» كان التعاون الأول بين بليغ وعبدالحليم حافظ، وهى بشهادة بليغ العمل الذى حوله من ملحن يسمعه عدد من الناس إلى نجم كبير يسمعه كل عشاق الموسيقى فى مصر، ولكن على الرغم من «تخونوه» و«خسارة» لحليم، و«حب إيه» و«سيرة الحب» و«أنساك يا سلام» بكل ما فيها من وقار وموسيقى كلاسيكية، إلا أنه قدم مع حليم نفسه «على حسب وداد جلبي» التى كانت نقلة شعبية كبرى فى حياة العندليب.

بليغ كان معجونًا بتراب الشعب المصرى، هو يفتخر بذلك كل الفخر، فهو صاحب «عدوية» و«طاير يا هوا» لمحمد رشدى، و«عسل وسكر» لشهر زاد، و«بهية» لمحمد العزبي، و«ياختى اسملتين» و«عجيب يا واد يا بنج» لأحمد عدوية، المدهش أنه أجاد هنا وأجاد هنا، فهو الوحيد القادر على فعل ذلك من بين الموسيقيين المصريين طوال تاريخ الموسيقى.

الأفلام والمسرحيات

بليغ بارع فى الموسيقى التصويرية، كان أحد أحلامه الكبرى هو صنع أوبريتات مسرحية ملحمية، كما فى مسرحية «ياسين ولدي» المدهشة التى قام ببطولتها شكرى سرحان وغناء عفاف راضي، وهى تعتبر واحدة من أهم وأبرز المسرحيات الملحمية فى تاريخ المسرح المصري، كما أنه واضع موسيقى مسرحية «ريا وسكينة» لشادية وسهير البابلى وملحن كل ألحانها، حيث جمع فيها بين الرومانسى والشعبى كما فى «حبك جننا يا اسمك إيه»، و«إشاعات إشاعات». بليغ عندما قدم موسيقى للأفلام اختارها كذلك ملحمية مثل موسيقى فيلم «شيء من الخوف» للمخرج حسين كمال وبطولة محمود مرسى وشادية التى كانت أيضاً بطلة واحدا من أهم الأفلام الاستعراضية الغنائية فى تاريخ السينما المصرية وهو فيلم «أضواء المدينة».

بليغ حمدى

أوبريتات عديدة قدمها بليغ فى الأفلام السينمائية ومنها «مولد يا دنيا»، و«شمس الشموس يا صبوحة»، وغيرها الكثير وضعته ولاشك على عرش التلحين فى مصر.

الحب إلى حد الورطة

فى حياة بليغ عدد هائل من الأزمات التى قاده الحب إلى الوقوع فيها، والحب هنا ليس الحب الرومانسى بينه وبين المرأة فقط، بل حب الأصدقاء والعمل وغيرها. حب بليغ لسامية جمال، خطيبته، فى بداية حياته وضعه فى مأزق مع كثير من الأصدقاء خصوصًا بعد اتهام الراقصة الشهيرة له بالخيانة مع ممثلة مغمورة. حب بليغ لتحقيق أحلامه فى صنع أغنية شعبية مع صوت محمد رشدى وضعه فى مأزق كبير مع عبدالحليم حافظ الذى أتى به ليقدما معًا نفس التجربة.

حب بليغ لوردة قاده إلى خلاف مع أم كلثوم، ومع كثير من المطربات. حب بليغ للحياة وللسهر قاده كذلك إلى ورطة انتحار سميرة مليان (الفتاة العربية التى انتحرت فى منزله)، وهى أبرز ورطة فى تاريخ بليغ والتى أدت به إلى السفر خارج مصر، بعد أن تم الحكم بإدانته بالسجن لمدة سنة على خطأ لم يقترفه فى الأساس.

دعم الشباب

ليست فقط تجربة التلحين مع أم كلثوم وهى ما هى فى تاريخ الغناء، وفى نفس الوقت يقوم بوضع ألحان لرشدى أو لشهر زاد أو نجاة، هى التجربة الوحيدة فى حياة بليغ، بل كان دائم التلحين لكبار المطربين، وكذلك دعم الشباب، حيث لحن لأسماء عديدة كانت صاعدة فى أواخر السبعينيات والثمانينيات ومنها هانى شاكر وسميرة سعيد وميادة الحناوى التى قدم معها أبرز أغانيها «الحب اللى كان»، ولطيفة ونادية مصطفى.

عفريت من الجن

القصة المعروفة والمتداولة لتجربة «مولاي» مع سيد النقشبندى لهى من أبرز القصص التى تؤكد على براعة بليغ حمدى فى الجمع بين الأضداد، فهو وفقًا للنقشبندى نفسه «عفريت من الجن» استطاع أن يلحن أغنيات مثل «مكسوفة» لشادية و«على رمش عيونها» لوديع الصافي، و«على الرملة» لرشدي، وفى نفس الوقت يقدم «مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى» وهى أكبر وأهم علامات تواشيح الشيخ النقشبندى.

النقشبندى وبليغ حمدى

الوطن والغربة

بليغ لا يستطيع أن يعيش خارج مصر، هو قالها وأكد عليها ليس فقط فى ألحانه المتكررة والمدهشة ومنها «بسم الله» أنشودة نصر أكتوبر، و«أنا على الربابة بغني» لوردة، و«يا حبيبتى يا مصر» لشادية الأغنية التى تشبه الماركة المسجلة لكل حدث وطنى كبير حتى يومنا هذا، ولكنه فوجئ بعد قضية سميرة مليان أنه مجبر على السفر إلى باريس، وبالفعل سافر لكنه لم يستطع أن يعيش فى الخارج، وعاد إلى تراب مصر من جديد ودُفن فيه، ليكتب سطره الأخير فى الحياة الدنيا فى 12 سبتمبر 1993، ويشاء القدر أن تكون آخر ألحانه هى ألحان تتر مسلسل «بوابة الحلوانى».

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز