البث المباشر الراديو 9090
الشهيد إبراهيم الرفاعى
تزخر المكتبة العربية بسير الأبطال الشعبيين، مثل أبوزيد الهلالى، والأمير سالم الزير، وذات الهمة، وغيرهم من الذين تم تخليدهم فى سير مكتوبة بكثير من الخيال وقليل من الحقائق.. ولكن سيرتنا، سيرة البطل إبراهيم الرفاعى، هى سيرة تستحق أن تكتب، لأنها حقيقة، ولكنها أغرب من الخيال.

 

أساسيات السيرة الشعبية، كما تناولها دارسيها الكبار أحمد رشدى صالح وأحمد شمس الدين الحجاجى وأحمد على مرسى وفاروق خورشيد موجودة فى سيرة الرفاعى، فهو قائد "المجموعة 39 قتال"، وهو الذى نفذ عملية الثأر للشهيد عبدالمنعم رياض، وقاد بنفسه عمليات كبرى، منها نسف رصيف الكرنتينة ومطار الطور، وقاوم ثغرة الدفرسوار واستشهد فى وقت آذان الجمعة، عن عمر 42 عامًا.

السيرة عادة ما تبدأ بحدث المجىء إلى الدنيا، وإبراهيم جاء فى 27 يونيو سنة 1931، فى هذه السنة مات عمر المختار، أسد الصحراء الليبى، بعد أن أعدمه جنود الاحتلال الإيطالى، مات أسد وولد أسد آخر، اسمه بالكامل إبراهيم السيد محمد إبراهيم الرفاعى.

الشهيد إبراهيم الرفاعى

جينات العسكرية موجودة فى العائلة، فجده لوالدته عبدالوهاب لبيب، قائد عسكرى فى الجيش المصرى، لذا التحق إبراهيم بالكلية الحربية وتخرج فيها سنة 1954، ثم انضم إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة لقوات الصاعقة المصرية فى منطقة "أبو عجيلة".

وكأبطال السير أثبت إبراهيم نبوغًا مبكرًا، ربما من اليوم الأول له لفت الانتباه بقدرته وشجاعته الكبيرة.. اشترك فى حرب اليمن، وزادته خبرة ومهارة، حتى قيل إن التقارير التى أعقبت الحرب ذكرت أنه ضابط مقاتل من الطراز الأول والفريد.

يوم 25 يوليو 1969 كان فارقًا فى حياة البطل، فهو اليوم الذى اختير فيه قائدًا على مجموعة سميت "المجموعة 39 قتال"، واختار الرفاعى شعار "رأس النمر" كرمز للمجموعة، وهو شعار أسطورى لا يختلف عن ما اختاره الأبطال الشعبيين فى التاريخ، من أسود ونمور وغربان، ولأن الأسطورة لابد أن تكتمل فإنه قاد تلك المجموعة بعد حرب الاستنزاف إلى عمليات تسلل عديدة إلى عمق سيناء وزرع الألغام فى خطوط إمدادات العدو وتفجير منشآته.

ولكن النقطة المفصلية، أو ذروة الأحداث فى السيرة كانت يوم استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض. فى التاسع من مارس 1969، كان رياض، رئيس أركان حرب الجيش المصرى آنذاك، يتفقد القوات المصرية على الجبهة، وكان يقف فى موقع قريب من مرمى نيران المدفعية الإسرائيلية، وفجأة انطلقت قذائف العدو على المكان الذى يقف فيه وانفجرت إحداها بالقرب منه فأصابته الشظايا واستشهد، هنا انقلب فرح البطل الرفاعى بعملياته النوعية فى سيناء إلى حزن ورغبة عارمة فى الثأر، ولحسن حظه صدرت الأوامر له بأن يقود عملية الثأر بنفسه.

استطلع البطل الرفاعى النقطة الإسرائيلية التى قتلت الفريق رياض، من فوق مبنى إرشاد السفن بالإسماعيلية، وأعد رسمًا تخطيطيًا لها، ثم اختار عددًا من الضباط والجنود الأشداء وقام بتدريبهم فى منطقة صحراوية على تنفيذ العملية.. شهر وبضعة أيام فقط انتظرها الرفاعى حتى يثأر للشهيد، انتظرها بشوق ورغبة عارمة فى إعادة حق واعتبار ليس فقط للفريق رياض بل للعسكرية المصرية كلها.

مشهد الانتقام والثأر ملحمى بامتياز، فى جنح الظلام وتحت ستار من النيران أطلقته المدفعية المصرية تسلل البطل ومجموعته عبر قناة السويس، لينفذوا عمليتهم. هدأت المدفعية وانطلق الجحيم على الضفة الأخرى، تم قتل 44 جنديًا إسرائيليًا وتدمير مدرعتين ونسف عددًا من مخازن الذخيرة، بل وكانت نهاية المشهد عظيمة وبطولية، حيث تم إنزال العلم الإسرائيلى ورفع العلم المصرى.

كانت عملية "لسان التمساح"، أو عملية "المعدية رقم 6" نسبة إلى المكان الذى وقعت فيه تاريخية وأسطورية، يستحق أن يتفاخر بها كل مصرى عبر كل العصور.. ففى فترة حرب الاستنزاف كان البطل مغوارًا، لا يكل ولا يمل من الهجوم على مواقع الاحتلال الإسرائيلى، مرة قام بنسف رصيف الكرنتينة، وهى المنطقة الحيوية للعدو الاسرائيلى أثناء احتلاله سيناء، إذ كان يتجمع فيها اللنشات العسكرية الخفيفة، التى تستخدم فى العمليات العسكرية، ومرة أخرى قاد عملية فتح طريق الزعفرانة بعد قيام قوات العدو الصهيونى بسرقة جهاز الرادار الخاص به، وزرع الألغام عليه، ومرة قام بقصف مطار الطور بالصواريخ 130 مم، وتلغيم المدقات المحيطة به.

وفى لحظة توقفت العمليات، لتبدأ التحضيرات للحرب الكبرى، تلك الحرب التى كان ينتظرها الرفاعى لتُكتب فيها فصل النهاية.

هنا الدفرسوار، الأزمة التى سميت فيما بعد بـ"الثغرة".. استدعى البطل الهمام إلى غرفة العمليات، وجد نفسه أمام الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل مباشرة، ولأنها الحرب يتساوى فيه الجندى والقائد، فإن رهبة الحدث لم تؤثر عليه، فهو الرجل الذى واجه الموت أكثر من مرة، شرح الرئيس والمشير له فى عجالة الموقف فى الثغرة، وطلبا منه إعداد خطة لتدمير المعبر الصهيونى، وعندما تحرك القائد الشهيد على رأس رجاله من أبطال "المجموعة 39 قتال"، إلى منطقة الجيش الثانى الميدانى، وتوجه إلى مركز قيادة الجيش، وهناك علم باستحالة نسف المعبر، حتى أصدر الفريق سعد الشاذلى رئيس أركان الجيش المصرى، بتحرك الرفاعى ورجاله إلى تقاطع سرابيوم، لمنع تقدم قوات العدو لاحتلال الإسماعيلية.

وتقدم الرفاعى ورجاله واكتشف عناصر الاستطلاع، مجموعة من دبابات العدو، فتقدم فى اتجاه موقع الصواريخ المضادة، وعلى الفور أعاد الرفاعى توزيع قواته، لتتمركز فى أماكنها، وتم الاشتباك مع قوات العدو، وتم تدمير دبابتين، وراح الرفاعى ورجاله يقاتلون بشراسة وهم يسمعون قرآن أذان الجمعة، ومع بداية الأذان سقط البطل بشظية من قذائف العدو اخترقت صدره فى يوم 19 أكتوبر.

استشهد البطل فى معركة كان يدافع فيها عن وطنه وفى يده سلاحه الذى أشهره فى وجه عدوه مغتصب الأرض، ومازالت سيرته تتداول بين أبنائه وأحفاده ومحبيه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز