أسرى إسرائيل
كان المصريون مصممون على استرجاع ما اغتصبته إسرائيل من أراضٍ، وعدم السماح بأى وجود صهيونى على أرض سيناء. لكن الساحة الدولية كانت مشتعلة بحساباتها هى الأخرى، وهو الأمر الذى يفسر لماذا أعلنت واشنطن حالة التأهب النووى فى حرب 1973.
حرب شاملة
ففى الوقت الذى كانت القوات المصرية تحرر ما اغتصبه العدو الصهيونى من أراض فى سيناء، كانت الحرب الباردة فى أوجها فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى، وكان معروفًا أن الولايات المتحدة الأمريكية دعمت إسرائيل قلبًا وقالبًا، فكان الاتحاد السوفيتى على الجانب الآخر يرد بدعمه لمصر وسوريا.
وبذلك، لم تكن حرب أكتوبر حربًا عادية بين طرفين متحاربين، وإنما كانت حربًا شاملة، أدلت فيها القوى العظمى للعالم بدلوها.
وكانت الولايات المتحدة تنتج أفضل الأسلحة ولا تتردد فى منح إسرائيل أحدثها إلى جانب الدعم الاستخبارى الذى أمدت به واشنطن تل أبيب أولاً بأول، وهو ما خلق ثغرة الدفرسوار آنذاك، إلا أن القوات المصرية تعاملت معها بكفاءة جبارة وكبدت العدو الإسرائيلى خسائر فادحة لم تكن فى مخيلته.

رسالة بريجنيف للأمريكان
وأمام الدعم الأمريكى لإسرائيل، لم يكن من روسيا إلا أنها حذرت الأمريكيين من أنها سترد بدعم مصر وسوريا، حيث تلقى الرئيس الأمريكى آنذاك ريتشارد نيكسون رسالة من الزعيم السوفيتى ليونيد بريجنيف.
وحذر بريجنيف فى رسالته من أن الروس قد يتدخلون فى القتال بين إسرائيل ومصر، ما يعنى أن المصريين والسوريين سيمتلكون أسلحة ذات مستوى عالى، وقادرة على دحر إسرائيل تمامًا.
إعلان التأهب النووى
فما كان من الولايات المتحدة إلا إعلان حال التأهب النووى، وهو ما كشفت عنه وثائق بريطانية سرية ظهرت فى عام 2004، والتى تشير إلى أن الحكومة البريطانية كانت غاضبة بسبب عدم استشارتها أو إبلاغها بشكل صحيح بشأن حالة تأهب نووى عالمى أعلنتها الولايات المتحدة خلال حرب أكتوبر عام 1973.

غضب فى بريطانيا
وبحسب شبكة هيئة الإذاعة البريطانية، كتب بول رينولدز، مراسل الشؤون العالمية فى بى بى سى، حينذاك، قائلاً إنه فى المذكرة اللاذعة التى نُشرت بعد 30 عاما من السرية، اتهم رئيس الوزراء البريطانى حينها، إدوارد هيث، الرئيس الأمريكى نيكسون بصرف الانتباه عن فضيحة ووترجيت.
وكتب هيث فى تلك المذكرة: "علينا أن نواجه حقيقة أن العمل الأمريكى تسبب فى ضرر جسيم، كما أعتقد، فى هذا البلد وفى جميع أنحاء العالم".
وتابع:"يجب ألا نقلل من تأثير ذلك على بقية أنحاء العالم"، مضيفًا أنه "يبدو أن رئيسًا أمريكيًا فى ذلك الموقف (فضيحة ووترجيت) مستعد للذهاب إلى مثل هذا المدى فى أى لحظة دون استشارة حلفائه، ودون أى مبرر عسكرى فى ذلك الوقت".
وتقول "بى بى سى" إن هذه الواقعة دليل واضح ومثال حى على مدى السرعة التى يمكن أن يحدث بها انقسام بين الولايات المتحدة وحلفائها.
وشدد هيث على أنه علم بحالة التأهب النووى من وكالات الأنباء. وكتب: "عندما سألت وزير الخارجية (السير أليك دوجلاس هوم) عن ذلك، كنت جالسا بجانبه على المنصة بينما كان على وشك الإدلاء ببيان، لقد كان فى نفس الموقف".
وقد تفاقمت المشكلة بسبب محاولة واضحة من قبل وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر للتقليل من أهمية حالة التأهب، فضلا عن مشكلة اتصال تتعلق بالبريطانيين.

الجيش الأمريكى يعلن "ديفكون 3"
فى ذلك الوقت، تم رفع حالة التأهب والاستعداد داخل الجيش الأمريكى إلى ما يعرف بـ "ديفكون 3 ـ حالة الدفاع 3".
والمعروف أن هناك 5 مراحل من هذا القبيل، والحالة الثالثة تعنى أن جميع القوات، بما فى ذلك القوات النووية، فى حالة تأهب قصوى.
اتصالات كيسنجر
فى ذلك الوقت، أبلغ كيسنجر السفير البريطانى فى واشنطن اللورد كرومر، عن حالة التأهب، لكنه أشار إليها بطريقة غامضة، وهو ما روته تقييمات حالة التأهب التى كتبتها لجنة المخابرات المشتركة.
وأخبر اللورد كرومر عن "انخفاض مستوى التأهب العسكرى مع إلغاء إجازات العاملين فى البحرية والجيش فى المناطق المجاورة للمنطقة التى تشهد الأعمال العدائية".
وبحسب الهيئة البريطانية، فقد لفتت لجنة الاستخبارات المشتركة إلى أنه "من الصعب التوفيق بين هذا البيان وفرض مرحلة التأهب الثالثة التى شاركت فيها القوات الأمريكية، بما فى ذلك قواتها الاستراتيجية فى جميع أنحاء العالم".
تجاوب بطئ فى لندن
وتشير الوثائق الغربية إلى أن الدكتور كيسنجر أبلغ اللورد كرومر بالأمر فى الساعة الخامسة والربع بتوقيت لندن، بينما دخلت حالة التأهب إلى حيز التنفيذ فعليًا حوالى الساعة السادسة، وقد اتصل كرومر بلندن بعد ذلك التوقيت بثلث ساعة تقريبًا، ولكن لا يبدو أن أحدا أخذ الأمر على محمل الجد، إذ لم يخبر أحد رئيس الوزراء أو وزير الخارجية.
وبحسب المصادر البريطانية، فقد علم ضابط المخابرات المناوب فى مكتب مجلس الوزراء فى الساعة السابعة والنصف بحالة التأهب من مركز المراقبة الإلكترونية للحكومة الذى علم بالأمر من دوائر استخباراتية أمريكية بالأمر.

غضب فى الناتو
ولم ترسل البحرية الأمريكية إخطارات رسمية بالأمر إلى دول الناتو حتى الساعة الثامنة، وربما هذا ما أثار غضب بريطانيا وحلفاء الناتو.
وفى اجتماع الناتو اللاحق انصب غضب الحلفاء على السفير الأمريكى آنذاك دونالد رامسفيلد، الذى أصبح وزيرا للدفاع فيما بعد، وتظهر الوثائق الأمريكية أنه كان متعاطفا للغاية مع شكاواهم.
مشكلة لسفير لندن فى الناتو
كذلك، بدأ اجتماع الناتو، الذى تم فيه شرح حالة التأهب، فى الساعة الثانية عشر إلا الربع، وانتهى فى الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، إلا أن السفير البريطانى لم يبعث برسالة إلى لندن حتى الثانية والنصف تقريبًا، وهنا ظهرت مشكلة للسفير إدوارد هيث.
ولتبرير موقفه، قال السفير البريطانى هيث إنه كان فى الاجتماع بمفرده، و"لم يكن لديه أى شخص يمكنه تمرير الرسالة إليه ليبعث بها فى وقت أبكر".
وخلصت لجنة الاستخبارات المشتركة إلى أن حالة التأهب لم تكن ضرورية من الناحية العسكرية: "نميل إلى رؤية أن رد الولايات المتحدة أعلى من اللازم لتحقيق التأثير المطلوب"، على حد قولها.
وجوه شاحبة فى إسرائيل
بينما حاول كيسنجر تبرير ذلك مرارًا بأنه كان يضمن عدم تحرك السوفييت، وهو ما تؤكده مقابلات لاحقة مع مسؤولين سوفييت، والذين قالوا إن رسالة بريجنيف كانت خدعة، حيث أمل فى أن تجبر الولايات المتحدة الإسرائيليين على التوقف.

على الجانب الآخر، كانت الوجوه شاحبة كأنه يعلوها الغبار فى إسرائيل، فيصف رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق إيهود باراك الأمر بأنه "كانت هذه اللحظة هى الأشد قسوة خلال الحرب، ورغم مناورات إسرائيل بعدها إلا أن الأمر انتهى، وضاع الأثر النفسى لما حققته إسرائيل فى 67، وانتهى شعور الإسرائيليين والغرب بأن الجيش الإسرائيلى لا يقهر".