جمال الغيطانى
الغيطانى كان مراسلاً حربيًا منذ العام 1969، يكتب ما يراه فى جبهة القتال بسيناء، فبعد أيام من اندلاع حرب أكتوبر التى وافقت العاشر من رمضان، بدأ الأديب العظيم فى كتابة مشاهداته لجريدة "الأخبار"، ومن بين ما كتبه الغيطانى تقريرا رائعًا بعنوان "مع الرجال الذين يحاربون فوق سيناء".

نجح جمال الغيطانى فى إبراز بطولات الرجال ممن جاءوا من مختلف ربوع مصر، وكيف تحول الفلاح، العامل، الطبيب، المهندس، من مجرد إنسان عادى إلى مقاتل يبذل روحه عن طيب خاطر وإصرار لا يلين، وذلك عندما عمل فى جبهة القتال، وحتى عام 1976، حيث أوقف قلمه للكتابة عن شهداء الوطن من أبطال الجيش المصرى، أولئك الذين عرفهم وعبر معهم القناة، أولئك الذين جمع سيرتهم وتفاصيل حياتهم وأعمالهم فى أعماله.
يصف الغيطانى أول مشاهد اليوم الثانى للعبور، وهو اليوم الذى سمح له فعلا بالوصول إلى أرض المعركة: «فى هذا الصباح الأكتوبرى المجيد، عندما وصلت إلى جنوب الإسماعيليلة، منطقة طوسون، كان كل الطرق تؤدى إلى القناة حينها، كل حركة من قواتنا المسلحة الباسلة تتجه إلى الشرق بقدر ما كان الواقع مليئًا بالتفاصيل، العربات المدرعة، الدبابات، المشاة، المدفعية المضادة للطائرات، الكل فى واحد كما عبر الوجدن المصرى القديم».
أما بخصوص بعض التفاصيل، فيقول الكاتب الكبير الذى تحل ذكرى رحيله السادسة، اليوم 18 أكتوبر: «سادتى.. لا أذكر اسم المقاتل الذى أتحدث عنه الآن، ليس لأننى نسيت اسمه، ولكن لأننا لم نتعارف بذكر الأسماء كالعادة، لقد تحدثنا طويلا عن المعارك الدائرة، وحدثنى عن وظيفته، وحدثنى عن طفله الذى يبلغ الآن من عمره عامًا واحدًا، واسمه عاطف، ويسكن المطرية، سألنى عن أحوال الناس فى الجبهة الداخلية، كل زملائه سألونى أيضا، ولكن هذا المقاتل الذى أذكر ملامحه جيدًا شعرت أمامه برهبة خاصة، إنه أحد الرجال الذين يعملون خلف خطوط العدو، إنه واحد من أبناء مصر الذين يزرعون صحراء سيناء بالرعب ليحيلوا حياة العدو إلى جحيم».
ويضيف صاحب «أوراق شاب عاش ألف عام» فى وصفه للمقاتل فيقول: «إنه أحد الرجال الذين يخلقون الآن شكلا جديدا لحرب الأغوار، حيث يعمل المقاتلون فى الصحراء الوعرة الموحشة، إن المقاتل الذى أحدثكم عنه إنسان مصرى بسيط. أب يمكنكم أن تقابلوه يوما فى الطريق، العشرات مثله يركبون المواصلات، وينزلون لشراء حاجيات أولادهم، يقلقون عليهم إذا تأخروا خارج البيت، ويدخرون المال ليكفلوا التعليم لهم، ولكن عندما يأتى الخطر فإنهم يندفعون لملاقاته».

ويختم الغيطانى حديثه عنه بجملة «عانقت هذا المقاتل وجسدى يرتجف من الانفعال، كان يمضى إلى الحبيبة سيناء، وكنت لا أستطيع مشاركته إلا بالخيال، والأمنيات».
هذه الحكاية وغيرها رصدها الغيطانى بحب ودقة شديدة فى تغطياته المستمرة التى أمد بها جريدة "الأخبار" عندما عمل كمراسل عسكرى على الجبهة خلال حرب الاستنزاف، ثم نصر أكتوبر، وضمها فى كتاب بعنوان "على خط النار.. يوميات حرب أكتوبر"، راصدًا فيها الأحداث والتطورات العسكرية على الجبهة.
الكتاب يحتوى على ثلاثة فصول: الأول هو رسائل فترة حرب الاستنزاف، والثانى هو المصرى على خط النار.. سواء لأحوال الجنود والضباط أو لسكان محافظات القناة، فيما يتناول الفصل الأخير بعض رسائل الأعمال العسكرية على الجبهة مع العدو الإسرائيلى أثناء حرب أكتوبر.

رحل الغيطانى بجسده، ولكنه لم يرحل بما تركه من منجز حقيقى فى عالم الأدب والصحافة، لا سيما تلك السنوات العامرة بتاريخ مصر وانتصاراتها.