التغير المناخى
وتبرهن خطوات الإدارة المصرية خلال السنوات الأخيرة على إيمانها العميق بأن التعامل مع هذا الملف لن يكون من باب الرفاهية أو الوجاهة السياسية، ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسى يوجه الحكومة لدعم كافة جهود الحفاظ على البيئة وتحقيق استدامة الموارد والاتجاه نحو الاقتصاد الأخضر، ليس داخل مصر وحدها، وإنما دعم تلك الجهود فى القارة السمراء.
خطة فاعلة
ومنذ 2015 اتخذت مصر خطوات سريعة لبناء خطة جادة وفاعلة تبدأ بها مساهماتها فى عملية تغيير المناخ على المستويين الوطنى والدولى، فعملت على دمج فكرة مواجهة تغيير المناخ فى أكبر عدد من الوزارات، ليكون ذلك البُعد أحد ركائز التخطيط الاستراتيجى بها، إلى جانب العمل مع شركاء التنمية لجذب تمويل لعلاج مهددات المناخ فى كافة المجالات التى تتطلب ذلك.
وبالتزامن مع هذه الخطط، كانت الإدارة المصرية تبحث عن أفضل الطرق للتكيف مع آثار تغير المناخ، خاصة مع تزايد الظواهر المناخية الشديدة، وأنشأت المجلس الوطنى للتغيرات المناخية بتبعية مباشرة لرئيس مجلس الوزراء، بهدف المزيد من الدعم السياسى وتنسيق التعاون بين أكبر عدد من الوزرات لتحقيق إجراءات فاعلة تمكن من التكيف مع تغير المناخ، أو مجابهة المخاطر والتهديدات للحفاظ على البيئة الآمنة للحياة.

استراتيجيات مصرية فى مواجهة تغير المناخ
كما دشنت مصر استراتيجيات خلاقة، مثل "الاستراتيجية الوطنية لكربون أقل" و"الاستراتيجية الوطنية للمناخ"، بتوصية من المجلس، والتى كان إعدادها بشكل وطنى خالص، بما يتناسب مع متطلبات الواقع المصرى والتوجهات الدولية فى هذا الملف. وتم الانتهاء من إطار العمل الخاص واستعراضه مع شركاء التنمية قبل رفعه للمجلس الوطنى للتغيرات المناخية، خلال شهر أكتوبر الجارى، تمهيدًا لاعتماده والانتهاء من الاستراتيجية.
وكانت استراتيجية "التعافى الأخضر" وجهًا آخر للاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية، والتى ستوجه جزء من استثمارات الدولة فى القطاعات المختلفة لمسألة تغير المناخ كبعد أممى يرشد دائمًا إلى أهمية التلاحم مع دول العالم فى مواجهة خطر الاحتباس الحرارى وتغير المناخ .
مصر أقل الدول فى الانبعاثات الدفيئة
وعلى الرغم من أن مصر من أقل دول العالم إسهاما فى انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى عالميا، بنسبة 0.6% من إجمالى انبعاثات العالم، إلا أنها تعد من أكثر الدول المعرضة للمخاطر الناتجة عن تأثيرات التغيرات المناخية، وهو ما أكدته البيانات الواردة لمصر حول حجم انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحرارى.
كان ذلك خلال قيام مصر بتنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ التى وقعت عليها البلاد عام 1994، وكذلك بروتوكول كيوتو، الذى صدقت القاهرة عليه فى عام 2005.

جهود مصرية فى مساندة إفريقيًا
ولم يقتصر دور مصر فى مواجهة تغير المناخ على سلسلة الإجراءات الواسعة داخليًا، وإنما عملت إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسى دورًا هامًا فى هذا الملف على المستوى الإقليمى أيضًا، عملاً على مساندة مصالح الدول النامية والإفريقية الجارة والشقيقة، والدفع بهم نحو إجراءات التكيف مع تغير المناخ، باعتبارهم شركاء الموطن فى القارة السمراء.
وفى هذا الإطار، استضافت مصر مؤخرًا مجموعة المفاوضين الأفارقة فى مدينة شرم الشيخ 2018 ـ 2019 ، فضلاً عن رئاسة لجنة القادة والرؤساء الأفارقة المعنيين بتغيّر المناخ، ومؤتمر وزراء البيئة الأفارقة عامى 2015 و2016.
ولعل هذه الخطوات هى التى دفعت مصر لاتخاذ القرار بالتقدم لاستضافة مؤتمر المناخ فى نسختة السابعة والعشرين"COP27 "، عام 2022، وتسخير جهودها لأن تكون إفريقيا حاضنًا لهذا الحدث الهام، والعمل على استكمال ما سينتج عن مؤتمر المناخ فى نسخة العام الحالى COP 26، واستثمار الشراكة المميزة مع المملكة المتحدة فى تحالف لمواجهة آثار تغير المناخ والتكيف معها.

مدبولى: إفريقيا لم تتخلف عن التزاماتها
وأشار رئيس مجلس الوزراء الدكتور مدبولى إلى أن الاجتماع يأتى فى وقت شديد الأهمية على صعيد عمل المناخ الدولى بشكل عام، وعلى صعيد تحضيرات القارة الإفريقية للدورة الـ26 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغيّر المناخ التى تُعقد فى مدينة جلاسكو الإسكتلندية فى نوفمبر المقبل.
وأوضح أن التقرير المقدم من رئيس مجموعة المفاوضين الأفارقة لتغيّر المناخ يشير بوضوح إلى أنه على الرغم من التحديات التى تمثّلها جائحة كورونا على القارة، فإن إفريقيا لم تتخلّف عن الالتزامات الدولية بشأن تغيّر المناخ، بل استطاعت النهوض لمواجهة تلك التحديات والتحرك بشكل سريع وفاعل، لوضع خطط وإستراتيجيات تُمكّنها من مواجهة تحدى المناخ.
وقال إن برنامج التحفيز الأخضر ما هو إلا أحد مظاهر الجهد الذى سيُسهم فى تعامل إفريقيا مع الوضع الراهن بشكل أكثر كفاءة، مرحبًا بتقرير رئيس لجنة المفاوضين الأفارقة لتغيّر المناخ وبمشروع القرار المُقدّم حول تعامل إفريقيا مع تغيّر المناخ والتعافى الأخضر من كورونا.
مصر شريك الاتفاقيات الدولية
وشاركت مصر العالم اهتمامه وانشغاله بقضية تغير المناخ، فوقعت القاهرة على اتفاقية "باريس للمناخ" ضمن 194 دولة أخرى وقعت على الاتفاق، والتى كانت أهم بنودها تعهد المجتمع الدولى بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين"، بالقياس على عصر ما قبل الثورة الصناعية، وبمتابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية.
كما تعهدت الاتفاية نفسها بالسعى لتقليص انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحرارى، مع اتخاذ إجراءات محددة للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار فى الطاقات البديلة وإعادة تشجير الغابات، والسعى لوضع آلية مراجعة كل 5 سنوات للتعهدات الوطنية.
كما صدقت مصرعلى بروتوكول "كيوتو" وتشكيل اللجنة الوطنية لآلية التنمية النظيفة عام 2005 ، وتشتمل على المكتب المصرى والمجلس المصري لآلية التنمية النظيفة.
وعملت مصر مع الدول الأعضاء على رسم خارطة طريق للتنوع البيولوجى لما بعد 2020 حتى 2050، ولا يمكن فصل إجراءات تغير المناخ من تخفيف وتكيف عن صون التنوع البيولوجى.

على طاولة مؤتمرات الشباب
وحظيت قضية التغيرات المناخية اهتماما واضحًا بين الموضوعات المطروحة للنقاش فى المؤتمرات الوطنية للشباب، والتى تقعد بشكل دورى تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى.
وعلى سبيل المثال، اهتم المؤتمر الوطنى للشباب فى شرم الشيخ، بمناقشة مستقبل تغير المناخ بالعالم وتأثيره على مصر، وعرض خلاله وزير البيئة، المشروعات التى جرى إنجازها منذ "قمة باريس للمناخ"، ومنها مشروع لاستبدال وسائل النقل القديمة بأخرى حديثة تعمل بالغاز الطبيعى، وترشيد الطاقة وأبرزها استخدام الغاز، فى الأتوبيسات والتاكسيات القديمة، بدلا من البنزين ومراجعة قانون البيئة لاستحداث التغييرات المناخية.

مواجهة بالأرض الخضراء
وعلى طريق التوجهات العالمية فى مجابهة تغير المناخ، وباستراتيجية وطنية، عملت الإدارة المصرية على تنفيذ سلسلة من المشروعات الخضراء، من بينها مشروع الـ 1.5 مليون فدان، ومشروعات عديدة تعمل على حماية سواحل الدلتا من آثار التغييرات المناخية، وكلها فى إطار حماية مصر من التغيرات المناخية.
كما تعمل مصر على تشجيع مشروعات تحسين كفاءة الطاقة من خلال وزارة الكهرباء بعمل مشروعات عديدة فى مجال الطاقات الجديدة والمتجددة "الرياح - الشمسية - المائية - الحيوية" أبرزها مزرعة الطاقة فى بنبن بأسوان، مع تنفيذ مشروعات لحماية الشواطئ من خلال وزارة الموارد المائية والرى، وإنشاء معاهد البحوث المختصة بالتعاون مع شركاء التنمية.
وما يتضح جليًا هو أن التقدم فى مجال الطاقة المتجددة فى مصر أصبح قصة نجاح ملهمة لتقليل الانبعاثات، سواء ببناء محطات الطاقة المتجددة أو المبادرة الرئيسية لتحويل المركبات للعمل بالطاقة النظيفة (الغاز الطبيعى، الكهرباء)، والتكنولوجيا الجديدة لإدارة المخلفات الصلبة وتحويلها لطاقة.
فى أولويات الرئيس السيسى
ولم يألو الرئيس عبد الفتاح السيسى جهدًا فى تنبيه الداخل والخارج إلى خطورة قضية تغير المناخ والاحتباس الحرارى، ففى أثناء أعمال قمة المناخ فى باريس 2016، أشار الرئيس عبد الفتاح السيسى لمخاطر زيادة درجة حرارة الأرض أكثر من درجة ونصف مئوية، مطالبًا باتفاق عادل وواضح فيما يتعلق بالحفاظ على المناخ وضرورة التوصل لاتفاق دولى يضمن تحقيق هدفا عالميا يحد من الانبعاثات الضارة.
وطالب الرئيس السيسى المجتمع الدولى بدعم جهود مصر فى مساهماتها الطموحة لمواجهة التغير المناخى والتركيز على الدول النامية فيما يتعلق بتغييرات المناخ وتوفير 100 مليار دولار سنويًا للتصدي للتغييرات المناخية بحلول عام 2020، ومضاعفته بعد ذلك.
وفى آخر أيام قمة مجموعة السبع الاقتصادية الكبرى، ألقى الرئيس كلمة بمدينة بياريتس الفرنسية، نوه فيها إلى قضايا "المناخ والتنوع البيولوجى والمحيطات"، وأوضح وجهة نظر القارة الإفريقية تجاه قضايا البيئة وتغير المناخ، التى تحتل حيزا كبيرا من اهتماماتنا اليومية، خصوصًا وأن آثارها تمتد إلى مختلف جوانب حياتنا.
وفى سبتمبر 2018، أشار الرئيس السيسى فى كلمته أمام الأمم المتحدة إلى الآثار السلبية لتغير المناخ، سواء فيما يتعلق بالمخاطر التى قد تهدد دلتا نهر النيل بسبب ارتفاع منسوب البحر المتوسط وازدياد ملوحة التربة، فضلاً عن الآثار المحتملة لتغير المناخ على نهر النيل شريان الحياة للمصريين عبر آلاف السنين، وكذلك ظواهر غير معهودة ومتزايدة فى القسوة وفى الوتيرة على السواء فى شكل عواصف ترابية وتزايد فى التصحر وموجات من السيول، وكذلك تأثّر الحياة البرية والبحرية وتنوعنا البيولوجى سلباً بالتغير والتقلب الذى نشهده فى الظواهر المناخية.
وفى سبتمبر 2021، خلال اجتماع رؤساء الدول والحكومات حول المناخ، أشار الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى "أهمية تحمل الدول المتقدمة لمسئولياتها فى خفض الانبعاثات، بما فى ذلك من خلال تحديث مساهماتها المحددة وطنيًا، تحت اتفاق باريس وتنفيذ التزاماتها السابقة عن فترة ما قبل ۲۰۲۰، تحت الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، ونتطلع إلى أن تخرج الدورة القادمة لمؤتمر الأطراف فى المملكة المتحدة بنتائج إيجابية على تلك الأصعدة".