البث المباشر الراديو 9090
أزمة الطاقة فى أوروبا
رغم التصعيد الذى لا يهدأ من الغرب تجاه روسيا، تبقى دول أوروبا فى موقف حرج، فهى مجبرة بشكل أو بآخر على الانصياع للدب الروسى الذى يملك بين يديه مفاتيح الطاقة، التى تشكل 40% على الأقل من استهلاك القارة العجوز، لذا لا يستبعد المراقبون أن تكون ساحة المعركة الحقيقية فى الصراع الروسى الأوكرانى هناك فى أسواق الطاقة الأوروبية.

وبين رمضاء التوسع الروسى ونار شح الطاقة، يقف الغرب الأوروبى والأمريكى، خصوصا فى ظل مخططات الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، الذى يعرف جيدًا كيف تكون خطوط أنابيب الغاز سلاحًا فتاكًا لتقسيم الحلفاء الأوروبيين.

توترات واحتكاكات

وتمر العلاقات بين روسيا والغرب فى هذه الأيام بتصعيدات حرجة لم تشهدها منذ سنوات، إذ وصلت مسار التوتر والاحتكاك بين الجانبين إلى أشده، بعدما أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية تدريبًا حربيًا جويًا بالاشتراك مع بريطانيا فوق منطقة الاتحاد الأوروبى، وبالقرب من روسيا، مستخدمة صواريخ "راف -26"، فائقة الصوت.

ولم تتوقف واشنطن عند هذا الحد، بل أعلنت صراحة أن هذه المناورات مخصصة لقهر الأعداء، ما اعتبره الرئيس الروسى فلاديمير بوتين تحد وإنذار بالخطر لبلاده.

الغريب أن هذه التوترات صادفت تصريحات القادة العسكريين، يؤكدون أن الأجواء المصاحبة للمناخ الراهن بين الجانبين "تهدد بفتح نوافذ الحرب"، على حد تعبير رئيس أركان الجيش البريطانى الجنرال نيكولاس كارتر.

وأشار كارتر فى تصريحاته المتزامنه مع المناورة الأمريكية، إلى أن العلاقات بين روسيا والدول الغربية تشهد توترًا غير مسبوق، واصفًا الأجواء بأنها أكثر جدية مما كانت عليه فى عهد الحرب الباردة.

ارتفاع أسعار الغاز فى بريطانيا

شتاء قارس وشح الطاقة

وبالعودة إلى الوضع فى أوروبا التى تعانى أزمة طاقة منذ شهور، وتقترب من شتاء قارس البرودة دون غاز كافى، فإن بناء مشروع "نورد ستريم 2" الذى يربط روسيا بألمانيا مباشرة قد يكون أمل القارة الوحيد لتجنب التجمد فى برد الشتاء.

لذا تقول وكالة "بلومبرج" الإخبارية، إنه إذا غزت روسيا أوكرانيا مرة أخرى، فإن التأثير الحقيقى لتلك الحرب سيظهر فى أسواق الطاقة هذا الشتاء، وهو الأمر الذى ستحتاج الدول الغربية إلى مواجهته.

وتتمثل نقطة التأثير الأكثر وضوحًا بنحو 40% من واردات أوروبا من الغاز التى تأتى من روسيا، وغالبيتها عبر أنابيب غاز تمر بأوكرانيا.

ولكن الآن، وبعد بناء مشروع "نورد ستريم 2" الذى يربط روسيا مباشرة بألمانيا لتجنب ذلك، تعتبر الولايات المتحدة المشروع جزءاً من خطط الكرملين لاستخدام الغاز سلاحاً لتقسيم الحلفاء الأوروبيين، ولكن يبقى احتمال حظر الخط ضئيلاً.   

أما بالنسبة لألمانيا، فإن هذا المشروع هو طريقة لتنويع طرق الإمداد لتخفيف المخاطر من شراء الكثير من الغاز من روسيا.

الغاز فى أوروبا

نورد ستريم2.. مخطط روسى

وبناء على ذلك، تنظر الولايات المتحدة إلى مشروع "نورد ستريم 2" باعتباره جزءًا من مخططات الكرملين لاستخدام الغاز كسلاح لتقسيم الحلفاء الأوروبيين.

وجاءت تصريحات الرئيس بوتين لتعزز المخاوف الأمريكية، حيث قال الرئيس الروسى: "السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا"، لذا تنم تصريحات الرئيس الروسى عن مخططات واسعة تنويها موسكو بشأن أوكرانيا، وهى مخططات تمتد إلى ما وراء خطوط أنابيب الغاز التى غذت الأزمات السابقة، وفقًا للوكالة الأمريكية.

شركة غازبروم الروسية

ضغوط أمريكية على برلين

وتشير "بلومبرج" إلى أنه بدخول المشروع الروسى "نورد ستريم2" إلى الخدمة، سيضاعف من قدرات "نورد ستريم 1"، ما يتيح الالتفاف على أوكرانيا التى تستخدم أراضيها حاليًا ممرًا لكميات كبرى من الغاز الروسى إلى الاتحاد الأوروبى، الأمر الذى يشى بحرمان كييف من مصادر دخل هائلة، ومن ضمانة الحصول على الغاز.

وبحسب الوكالة، فإن بوتين يبدو سعيدًا باستغلال هذا التوتر بين واشنطن وبرلين، لافتة إلى الاضطرابات الفعلية التى تشهدها سوق الغاز الأوروبية، حيث تمتلئ صهاريج التخزين بـ 62%.

موقف ألمانى هش

ودليلاً على الأزمة التى ستشهدها أوروبا بدخول الصراع الروسى الغربى إلى سوق الطاقة، فإن قرار الألمان بإرجاء موافقتهم على مشروع "نورد ستريم 2" فى نوفمبر الماضى، أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز فى أوروبا.

ويؤكد ذلك أن أى تهديد من ألمانيا بقطع إمدادات الغاز الإضافية عن نفسها، سيكون مجرد تصريحات جوفاء لن تقدر على تطبيقها فعليًا.

لذلم، فإنه رغم الضغوط الأمريكية على ألمانيا لاتخاذ موقف فيما يخص مشروع "نورد ستريم2" حال وقوع الهجوم الروسى على أوكرانيا، فمن مصلحة المستشار الألمانى الجديد أولاف شولتس، أن يوافق على خط الأنابيب عاجلاً وليس آجلاً.

وسواء الضغوط الأمريكية على برلين أو أسعار الطاقة وشحها، فجميعها أمور تسلط الضوء على ضعف الموقف الألمانى، وربما ينعكس الأمر على موقف الحكومة الائتلافية التى تحكم البلاد حاليًا، وربما تصل الأمور إلى الاتحاد الأوروبى نفسه.

ولطالما هيمنت قضية "نورد ستريم 2" على طاولة المناقشات الخاصة بالطاقة عبر حلف شمال الأطلسى.

شركة غازبروم الروسية

هل يفتت بوتين خصومه؟

وتحذر "بلومبرج" من أن بوتين قد يبادر إلى قطع الغاز الروسى قبل أن يؤكد الألمان مقاطعتهم لأنبوب الغاز الذى لم يبدأ العمل بعد، ما يعنى أن روسيا قد توقف إمدادات الغاز إلى أوروبا المقبلة على الشتاء، لكن ذلك قد يوحد الخصوم الأوروبيون ضد بوتين، وربما يميل حاكم الكرملين إلى استخدام الغاز فى استقطاب أطراف أوروبية واستبعاد أطراف أخرى، لتفتيتهم بذلك السلاح الفتاك.

ولا يبدو الخلاص الأوروبى من ذل الحاجة إلى الطاقة الروسية أمرًا هينًا، فالعلاقة الروسية الأوروبية فى هذا الشأن مستمرة منذ أكثر من نصف قرن، بما فى ذلك خلال الحرب الباردة، لذا سيركز بوتين فى الفترة الحالية والمقبلة على استنفاد صهاريج المخزون الأوروبى من غاز شركة "غاز بروم بى جى إس سى" المملوكة للدولة هذا العام.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز