جابر عصفور
الوقت كان مبكرا جدا للحكم على منهج مركب انتهجه الكاتب الكبير فى تناوله، وعن "بنيوية" كانت تلوح فى أفق الكلمات المعقدة التى سمعتها فى سن العشرين أو أقل قليلا.

وضعت "المرايا" إلى حيث مكانها البعيد عن إدراكى، وعن شغفى بنوع أبسط من الفكر واللغة والتناول.
كان مدرج قسم اللغة العربية فى كلية الآداب بجامعة القاهرة مكتظا بعد سنوات قليلة.. كان المحاضر هو جابر عصفور، وكنت فى السنة الأخيرة فى الكلية. تذكرت "المرايا المتجاورة" وتناولته من حيث مكانه البعيد. قرأت قليلا فيه، بدأت أفك ما ظننته فى باديء الأمر طلاسم، بفضل دراسة أدب العصور الإسلامية كاملة، وكذلك بعض المناهج الأخرى فى البحث، ولكن يظل الأمر معقدا قليلا.
الهمهمات فى المحاضرة عن عدم فهم ما يقوله جابر عصفور كانت كثيرة، ولكن حدتها فى أذنى لم تكن مثل الحدة التى حكمت بها على كتاب "المرايا المتجاورة" فى بادئ الأمر. أنصت فى المحاضرة لكلامه، فكان يدرس مادة "النقد الأدبي"، ومن غيره يمكنه أنه يدرسه. هو فقط فعلا. تعلمت من المحاضرة، والمحاضرات التالية كثيرا من طرق التفكير، كان الرجل ناقما كثيرا على الأجيال التى لا تقرأ، وعلى الثقافة العربية ونقلها المستمر، من دون عقل أو تعقل.

لم يتواجد جابر عصفور كثيرا فى تلك السنة كأستاذ متفرغ، أعماله كثيرة، واسمه يتردد بكثرة فى الحياة الثقافية. فى تلك السنة نجحت فيها بتقدير كبير، وفى مادته كان الامتياز. قرأت أكثر عنه. قرأت "زمن الرواية" و"اتجاهات النقد المعاصر". سنة تمهيدى الماجستير كانت السنة الأقرب فى علاقتى بجابر عصفور. فيها تحاورنا وتحدثنا واختلفنا. كان الخلاف الأهم والأقوى عن مفهوم الدولة المدنية، وعن النماذج القريبة التى طبقتها ونجحت فيها. كان خلاف شديد فى وقت فورة تعم العالم العربى كله قبل وأثناء غزو العراق فى 2003.
الوقت يمر، عدت إلى "المرايا المتجاورة"، تعاملت معها بمنطق الاختلاف. حينها كنت أخالف كل ما كان يقوله عصفور، وأختلف معه. كان يدرس مادة "مناهج البحث" أيضا، اختص بـ"البنيوية" التى كان أحد أقطابها فى العالم كله. قرأنا وقرأنا، وفى كل مرة أعود إلى "المرايا المتجاورة" بنظرة المختلف الذى يسعى إلى الاتفاق. عرج عصفور على "التفكيكية" كان يتحدث عن جاك دريدا بإسهاب شديد. حكايات لا تنتهى. أحيانا كان يأتى إلينا بأساتذة من تونس والمغرب وفرنسا، على علاقة كبيرة وجيدة مع دريدا نفسه، أخذوا عنه "التفكيكية" ليعطوها لنا، نحن طلبة التمهيدى فى كلية الآداب!

كانت الحكاية التى غيرت مفهومى ورأيى عن الدكتور جابر عصفور قد أتت لى من لسانه. قال إنه مع الحرية، حتى فى بيته، لكنه توقف كثيرا عند أول مكالمة هاتفية جاءت إلى منزله، وكان المتصل شابا يود الحديث إلى ابنته. حينها، ضربه تيار فكرى شرقى عنيف، هل يحافظ على آرائه المتحررة وعلى نظرته للحياة بعين العقل الغربى، أم ينتصر إلى شرقيته وأبوته التى جعلته مترددا قليلا فى المسألة. ظلت سماعة التليفون القديم فى يده لفترة، وضعها، ودارت فى عقله كل الكلمات والأفكار التى قرأها وتناولها فى حياته. لكنه انتصر لفكره ورؤيته المفتوحة للحياة.
وقتها، عدت لـ"المرايا المتجاورة"، فقد كانت حكايته السابقة عبارة عن مرايا متجاورة، مرآة للشرق وأخرى للغرب. مرآة للأب وأخرى للمفكر.. مرآة لتيار حداثى لابد أن يأتى ولابد أن يتفاعل مع الواقع، ومرآة أخرى تقليدية كلاسيكية.

"عصر البنيوية من ليفى شتراوس إلى فوكو"، ترجمته لها كانت أكثر تعقيدا. البنيوية عموما كانت معقدة على عقل طالب مثلى. ولكن البعض يفهمها. طلبت منه الشرح، فأحالنى إلى صديق. ولكنها كانت كبسولة واضحة، أعتقدت ألا تسمن ولا تغنى. جاء الامتحان، وفيه يكرم المرؤ أو يهان، وكان سؤال عصفور واحد فقط: "أكتب عن نظرية بحثية درستها".
لقد درس لى جابر عصفور فى هذه السنة ثلاث نظريات: الأولى "النظرية التاريخية" التى كانت تحيل أى دراسة أدبية إلى بعدها التاريخى، وكانت النظرية الأسهل والأقرب إلى قلبى، وثانيها "البنيوية"، وثالثها "التفكيكية". اخترت فى الامتحان دون شعور "البنيوية" التى تناولت كبسولتها سريعا، ولكننى وجدت نفسى أنهى الإجابة فى نصف ساعة فقط، وفى عدد قليل للغاية من الصفحات، فى حين كنت فى المواد الأخرى أستطيع ملء كراسة الإجابة، وهكذا كان الزملاء يفعلون.
خرجت وأنا على اعتقاد كبير أن الرسوب فى هذه المادة تحديدا سيكون مصيرى. الخلاف مع عصفور كان شديدا فى تلك السنة، إذن، خلاف وعدم فهم لـ"البنيوية"، إضافة إلى إجابة خاطفة كبسولية الطابع فى الامتحان، عن نظرية نقدية هو أعظم عارفيها وأقطابها.
الوقت يمر، ونتيجة السنة على الأبواب. لقد نجحت فى كل المواد، ومن بينها مادة "مناهج البحث"، فى حين أن العديدين قد رسبوا فى تلك السنة. كيف يحدث هذا؟ وأنا المختلف الرافض لما يكتبه عصفور. وبعدها قابلته فى المجلس الأعلى للثقافة وذكرته بذكرياتنا، فقال: "قرأت كراستك، لقد فهمت البنيوية جيدا، وأعطيتك الدرجة على مدى فهمك للنظرية".
كانت جملته شهادة مهمة.. عدت إلى "المرايا المتجاورة" واستمتعت بقرائتها. اليوم، ذهب جابر عصفور إلى دنياه الجديدة، ومعها بكل تأكيد سنعدد مراياه التى تجاورت لتنتج لنا واحدا من أهم مفكرى ونقاد مصر.