يوحنا قلتة
هى جملة لا تنفصل عن قناعته الدائمة، بأن مصر لن تسقط أبدًا، وسيظل المسلمون والمسيحيون أسرة واحدة شاء من شاء وأبى من أبى، هكذا كان المثقف الكبير حائط صد ضد التعصب والطائفية من مختلف الجوانب، فمصر قوية بوحدتها الوطنية، لذلك سادت حالة الحزن الأوساط الكنسية لرحيله، اليوم.
ولد كمال ثابت قلته قرياقص، بالقطنة مركز طما محافظة سوهاج، فى 27/1/1937م، والتحق بالإكليريكى طهطا فى 2/10/1950م، ودرس الفلسفة واللاهوت، وسيم كاهنًا فى 25/9/1960م على يد الأنبا اسطفانوس الأول متخذًا اسم الأب يوحنا قلتة.
وانتدب راعيًا لرعية بردنوها مركز مطاى إيبارشية المنيا عام 1960م، ثم راعيًا بكنيسة السجود بالقاهرة وحصل على ليسانس الدراسات العربية والإسلامية عام 1965م، والماجستير عام 1972م، فى موضوع أثر الثقافة الفرنسية فى أدب طه حسين.
كما حاز على الدكتوراة من جامعة القاهرة بموضوع دراسة المستشرقين الفرنسيين للأدب العربى عام 1981م وقام بتدريس الأدب الفرنسى بأكاديمية الفنون من عام 1981- 1986م، وتولى مسئولية الإعلام والصحافة واللجنة المصرية للعدالة والسلام.
رسم أسقفاً فخرياً لكرسى أندروبوليس ومعاوناً للبطريرك الأنبا إسطفانوس الثانى فى 29/8/1986م ونيافة الأنبا يوحنا عمل فى مجال الإعلام والصحافة، وهو عضو بنقابة الصحفيين، وعمل كاتباً بمجلة "الجديد" وله عدة مؤلفات مثل أثر الثقافة الفرنسية فى أدب طه حسين، وأشواك الروح، والمسيح دعوة للحرية، والإنسان هو القضية الإنسان هو الحل، وأرواح جائعة، وقرية غرب النيل، والفهرست التحليلى لوثائق المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى، الثالوث الحياة النور الحب، المسيحية والألف الثالثة، مذكرات كاهن فى الأرياف، وغيرها الكثير.
ونعى البطريرك إبراهيم إسحق بطريرك المسيحيين الكاثوليك الراحل الكريم معلنا رئاسته الصلاة على جثمانه فى الواحدة ظهر غد الأربعاء بكاتدرائية السيدة العذراء بمدينة نصر.
كما نعاه الدكتور القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، وقال رئيس الطائفة الإنجيلية: "بمزيدٍ منَ الحزنِ، نودع المفكر المصرى، الأنبا يوحنا قلته، المعاون البطريركى للمسيحيين الكاثوليك، الذى رحل عن عالمنا بعد عطاء فكرى طويل، وخدمة روحية كبيرة، والذى كان له دور عظيم فى دعم قيم الحوار والعيش المشترك، بمشاعر وطنية حقيقية".
كما نعى الدكتور سامى فوزى رئيس أساقفة إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية الأنبا يوحنا قلته، قائلاً: "فقدنا قامة فكرية وروحية.. حيث كان المطران الراحل يشكل حالة فريدة فى ثقافته الموسوعية وعطائه الروحى طوال سنوات خدمته بالكنيسة الكاثوليكية معتبرًا فقدانه خسارة للكنيسة العامة".

وأضاف: "باسمى وباسم قساوسة وخدام وشعب الكنيسة الأسقفية نودعه على رجاء القيامة ونصلى لأسرته ومحبيه أن يمنحهم الله التعزية على فراقه".
الوحدة الوطنية فى العمق
عند التأمل فى فكر المطران الكبير لن تجد الأنبا يوحنا قلتة يتعامل مع الوحدة الوطنية من قبيل الشعارات التى ترفع فى مناسبات معينة بل كان يأصل للأمر من واقع لاهوتى عميق يأتى من فهم حقيقى للقضية فيكتب منطلقا من فلسفة حقيقة، قائلا الإنسان - أى إنسان - باحث عن الله، وفى بحثه وشوقه إلى الله يبحث عن معنى الحياة وعن معنى مصير، لو استطعنا أن نوجز الشوق الإنسان فى كلمات بسيطة، أن نوجز هدف الإنسان فى جهاده، واكتشافاته، واختراعاته، لو استطعنا أن نوجز حاجات جوهرية لأى إنسان، لأمكن القول أن كل إنسان فى حاجة أمور ثلاثة أو إلى حقائق ثلاث: الحياة – الحقيقة – الحب - للنقل تعبيرا أكثر بساطة الكيان أو الوجود الذاتى، الحقيقة، الحب، هذه الحقائق تستوعب الكون كله تستوعب كل شىء فى العالم.
أولاً: أنا موجود، أنت موجود، هو موجود... إذا نحن نحيا.
ثانيًا: ما أؤمن به هو الحق، لأن عقلى ممتلئ به.. أنا مقتنع به.
ثالثًا: المحبة، هذه إرادة عميقة فى كيانى أن أعيش المحبة، وأعطيها وأنالها، فحقيقة الوجود – وجودى - أو حياتى، حقيقة راسخة فى أعماق كل إنسان، إنه الحنين إلى الحياة هو أخر ما نفكر أن نتخلى عنه، هو أثمن ما نملكه، هو القيم الأساسية لبناء أى مجتمع أو أى فرد، ليس من السهل على أى إنسان ألا يدافع عن "وجوده" حياته بأقصى ما يستطيع، قد نضحى بكل شىء دفاعاً عن الحياة، بالألقاب بالأفراح بالغناء بالسلطة بالمطامع بل وأحياناً نضحى بالشرف أو بالقيم من أجل "الحياة" إنه الخير الأوحد، الأقوى، قد نضحى بجزء من جسدنا دفاعا عن حياتنا، حتى عند المنتحرين، إنهم يسعون إلى حياة أكثر راحة، أو يرفضون حياة فرضت عليهم، واحترام حياة كل إنسان - أى إنسان - نقطه البداية فى كل تقدم ونجاح.
ويضيف قلته قائلاً: إن حقيقة البحث عن "الحق" يدل كما تقول الفلسفة على أن كل إنسان يولد فيلسوفًا، الطفل يحطم لعبته باحثا عن سرها، وما اكتشاف العلماء واختراعاتهم إلا تفكيكًا لا الغاز الطبيعية والكون، نسأل الشمس والنجوم، نمتطى القمر والمريخ لنسألها جميعا من أنت؟ كيف أنت؟ لا يريد الإنسان ولا يطيق أن يكون جاهلا بشىء، والبحث عن الحب هو الحنين إلى الطبيعة البشرية، هو البعد الإنسانى والإلهى فى كل إنسان "لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" (تك 2: 18) حقيقة صارخة فى كل أيامنا وفى كل أعمارنا، تتوالى وتزداد حاجتنا إلى المحبة من المهد إلى اللحد، أن نحب وأن نكون محبوبين قاعدة أساسية لبناء إنسان سليم ومجتمع سليم.
إذا نحن نتوق – كلنا - إلى الحياة، إلى الحق، إلى الحب، ولكن هل نجدها على أتمها فى مسيرتنا على الأرض؟ هل بيدنا نمتلك مصيرنا وحاضرنا 100%؟ أم يجب أن يعترف كل منا أننا نمتلك جزءاً من الحياة، جزءاً من الحق، جزءًا من المحبة، هل نستطيع أن نمتلكها كلها؟
كله عصر يضيف إلى عصر سبقه ثراء فى معنى الحياة، ثراء فى معرفه الحق، ثراء فى الامتلاء بالحب، وهذا الثراء ينتشر لا يعرف حدوده أو جنسيات، كم من الحقائق العلمية الثابتة أكد بطلانها العلم فى عصور لاحق؟ أو قل أكملها وصلها عصر لاحق، أو قل صحح بعضها، وهذه الصعاب من حولنا، الآلام، الأمراض، الجوع، الحروب، الجهل، التعصب، الأنانية، أليست هذه معوقات تعوقنا عن الامتلاء بالأسس الثلاثة: الحياة والحق والمحبة.
من هنا نطرح سؤالنا؟ أليس من كبرياء الإنسان أنه يظن أنه امتلك الحياة بأكملها أو الحق كله، أو المحبة كلها، أليس هذا غرور وزيف؟