أزمة الغذاء فى أوروبا
أوربا تعود لعصر الفحم
تلقى الحرب الروسية الأوكرانية بظلالها الثقيلة على اقتصاديات جميع الدول، ما أدى إلى زيادة التضخم العالمى، إلا أن أوروبا كانت أكبر الخاسرين والمتضررين من هذه الأزمة، إذ أثرت تداعياتها على كافة الدول الأوروبية، فاضطرت بنوك الطعام لتوسيع أعمالها يومًا بعد آخر، وعادت دول صناعية كبرى إلى عصر الفحم الحجرى للحصول على الطاقة بعد انقطاع واردات الغاز الروسية.
وزادت أزمة الطاقة التى تواجهها أوروبا حاليًا من ارتفاع الأسعار فى أساسيات المعيشة اليومية على نحو غير مسبوق، ما أدى إلى موجة غير مسبوقة من التضخم لم تشهدها أوروبا منذ نصف قرن.

التضخم يتخطى الـ10%
ووفقًا لمعهد الإحصاء الأوروبى "يوروستات"، فقد وصلت معدلات التضخم فى القارة العجوز إلى معدلات قياسية، تجاوزت الـ10% على مدى عام، جراء ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية وسلاسل الإمدادات والنقل، لتتخطى بذلك أقصى توقعات الخبراء التى كانت تقف عند 9.7%.
وبلغ التضخم فى دول اليورو الـ19 إلى 9.1%، بعدما سجلت أسعار الطاقة أعلى معدلاتها السنوية، التى تخطت الـ40.8% فى سبتمبر الماضى، ارتفاعًا من 38.6% فى أغسطس السابق له. وفى الوقت ذاته، ارتفعت أسعار المنتجات الصناعية والخدمات لتسجل 5.6% و4.3% على التوالى، حيث تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة.
وأدى ارتفاع أسعار الوقود فى أوروبا إلى زيادة قياسية وغير محتملة فى معدلات التضخم بجميع أنحاء أوروبا، لتواجه أهم اقتصادات القارة العجوز أزمة قاسية، مثلما يحدث الآن فى بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ارتفاع أسعار الخبز فى أوروبا
وطالت الأزمة أسعار الخبز فى أوروبا، والتى ارتفعت بنسبة 20% تقريبًا، الأمر الذى يهدد بتجويع دول القارة العجوز، إذ ارتفعت تكلفة الخبز بالاتحاد الأوروبى فى أغسطس بنسبة 18% مقارنة بالعام الماضى، كما ارتفع سعر الخبز فى دول أوروبا الشرقية بمعدل 8% و10%.
وبسبب ارتفاع أسعار الغاز، فقدت الصناعة الأوروبية مزاياها التنافسية إلى حد كبير، ما أثر على قطاعات أخرى من الاقتصاد.
أوروبا تنتظر الظلام
ولم يعد أمام الأوروبيين إلا ترشيد استهلاكهم من الطاقة الذى سيصل إلى ساعات من الظلام فى الشتاء القارس، وربما يضطرون للاعتماد على مصادر بديلة للطاقة بعد قطع الإمدادات الروسية من الغاز عنهم.
بينما تظهر تداعيات هذه الأزمات على الحياة السياسية والاجتماعية فى أوروبا، وسط خطر إندلاع المزيد من الاضطرابات الاجتماعية والتظاهرات ضد الحكومات الأوروبية، وهو ما توقعته ناديا كالفينو، رئيس وزراء إسبانيا.

الأزمة تهدد اقتصاد ألمانيا
وتعانى ألمانيا، أقوى اقتصاد فى أوروبا، من أزمة غير مسبوقة، حيث سجل مع التضخم هناك معدلات قياسية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع بشكل غير معتاد، وضعف الطلب على المنتجات الألمانية محليًا ودوليًا.
ويشير مكتب الإحصاء الاتحادى فى ألمانيا، إلى أن أسعار المستهلك ارتفعت بنسبة 10.9% على أساس سنوى، وترجع الزيادة فى التضخم إلى صعود تكاليف الطاقة بنسبة 43.9% مقارنة بشهر سبتمبر من العام الماضى، بعد انتهاء عرض لخفض تذاكر النقل وضريبة الوقود بنهاية أغسطس.
وتقول الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله": "نحن أمام موجة كبرى وغير مسبوقة من التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، الأمر الذى ينذر بالانفجار الشعبى وسط جهود الحكومة الألمانية للتخفيف من حدة الأزمة.
ورفع المواطنون فى برلين لافتات كتبوا عليها: "أريد الغاز والنفط الروسى". و"كل من يسكت اليوم يتجمد غدا"، مطالبين باستقالة الحكومة ورفع العقوبات ضد روسيا واستيراد موارد الطاقة الرخيصة منها.
وتشكو الحكومة الألمانية من الأسعار "الفلكية" للغاز فى الأسواق العالمية، حيث قال وزير الاقتصاد والطاقة الألمانى روبرت هابك، إن "دولا صديقة فى مقدمتها الولايات المتحدة تعرض الغاز على بلاده بأسعار فلكية الامر الذى يستدعى بحث المفوضية الأوروبية ذلك مع هذه الدول".
بريطانيا تواجه التضخم وتستعد للظلام
وتبدو الصورة أسوأ فى بريطانيا، التى كانت تعد أحد أقوى اقتصادات العالم، إذ لا تبشر المؤشرات الاقتصادية بالخير فى ظل موجات ارتفاع الأسعار التى تنذر بتعثر قريب وسط ارتفاع معدلات التضخم.
وتشهد بريطانيا أزمة كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة فى البلاد، فيما اضطر البنك المركزى الإنجليزى لرفع لمعدل الفائدة فى محاولة للسيطرة على الوضع الاقتصادى.
وبلغ التضخم فى بريطانيا 9.01% للمرة الأولى منذ 40 عاما، فى ظل ارتفاع الغذاء والطاقة، وسط توقعات ببلوغ التضخم ذروته بما يصل إلى 11% هذا الخريف لاول مرة فى تاريخ بريطانيا.
وينتظر البريطانيون تنفيذ تحذيرات الحكومة بانقطاع الكهرباء فى المنازل لمدة 3 ساعات يوميًا هذا الشتاء، إضافة إلى زيادة أسعار الطاقة ومواد الغذاء، ما أدى إلى تفاقم كبير ومعاناة فى المعيشة لدى مواطنى بريطانيا، ويقلق الجميع هناك بسبب ارتفاع الكبير فى أسعار الطعام.
وأعلنت عدد من الشركات والأعمال فى انجلترا وويلز إفلاسهم، وصل عددهم إلى 5629 شركة، ما يمثل أعلى معدل إفلاس فى ربع سنة منذ الربع الثالث من عام 2009.
إيطاليا تئن
تعانى إيطاليا مثل شركائها فى الاتحاد الأوروبى من تحديات اقتصادية هائلة، فبعد الانتعاش المثير للإعجاب عقب صدمة الوباء، أدت الحرب فى أوكرانيا واضطرابات سلاسل التوريد العالمية بسبب فيروس كورونا، إلى ارتفاع أسعار الطاقة فى إيطاليا، إلى جانب زيادة النقص فى منتجات رئيسية.
ويحذر الخبراء من أن أسعار الوقود قد تتجاوز علامة الـ 2.5 يورو فى إيطاليا قريبًا، وسط استمرار المشكلات مع نقص الأسمدة والبلاستيك، وارتفاع أسعار الطعام،
ولم تكن إيطاليا بعيدة عن حالة التضخم العالمية التى أصابت مختلف دول العالم، حيث ارتفع التضخم الإيطالى إلى ما يقرب من 7% فى مايو الماضى. وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين مدفوعا إلى حد كبير بأسعار الطاقة.
الغلاء يلتهم جيوب مواطنى إسبانيا
كما تشهد إسبانيا حالة من الضغط على أسواق الطاقة والغذاء، مع زيادة معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات فى كل دول العالم، إذ سقط الاقتصاد الإسبانى فى براثن الأزمات المتلاحقة، حيث لم يلبث أن يفيق من تبعات جائحة كورونا حتى وجد نفسه يصطدم بتبعات الحرب الروسية الأوكرانية.
ويتوقع خبراء الاقتصاد الأسوأ خلال الفترة المقبلة فى إسبانيا، إذ أن التضخم بين المستهلكين الإسبان يسير نحو الازدياد والمفوضية الأوروبية عاجزة عن مد يد العون إلى كل الدول الأوروبية فى وقت واحد.
ووصل معدل التضخم فى إسبانيا إلى 10% فى مارس الماضى، وهو أعلى مستوى منذ عام 1985، ثم تجاوز هذا المعدل غير المسبوق مرة أخرى فى يونيو عندما بلغ 10.2%. ووصل معدل التضخم حاليا إلى 10.5%.
فرنسا.. طوابير أمام محطات الوقود
ومع دخول موسم الشتاء البارد، نفد المخزون فى عشرات محطات الوقود فى فرنسا، لا سيما فى العاصمة باريس والشمال، خصوصا بعدما تم إغلاق 4 مصاف من أصل ثمانية تابعة لشركة "توتال إنيرجى"، نتيجة إضراب العمال هناك، ما أثر تفاقم الوضع على الحياة اليومية للسكان فى البلاد ما يثير القلق والمخاوف من الأيام المقبلة.
وقال المتحدث باسم الحكومة الفرنسية، أوليفييه فيران، إن 10% من محطات الوقود فى منطقة باريس تواجه مشاكل فى إعادة التزود بالوقود. كما أدت الإضرابات وأعمال الصيانة غير المجدولة إلى تعطل أكثر من 60% من طاقة التكرير الفرنسية، بما يعادل 740 ألف برميل يوميًا.
وأضاف المسئول الفرنسى إن 90% من محطات الوقود فى منطقة باريس لا تعانى من مشاكل. على الرغم من أن 15% من محطات الوقود فى فرنسا بشكل عام كانت تعانى من هذه "الصعوبات المؤقتة".

ويواجه عدد كبير من الفرنسيين أزمة نقص الوقود، بينما يدعو الرئيس إيمانويل ماكرون المواطنين المتذمرين إلى "الهدوء" والتحلى بـ"المسئولية" من أجل وضع حد للأزمة.
وفى غضون ذلك، سجل العجز التجارى فى فرنسا رقمًا قياسيًا جديدًا فى أغسطس الماضى، بلغ 15.5 مليار يورو، بسبب زيادة أخرى فى فاتورة واردات الطاقة، حسبما أعلنت الجمارك الفرنسية، الأسبوع الماضى.