نتنياهو
في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل حرب الإبادة الجماعية، وتعمل على قتل الآلاف في غزة، استيقظ قادتها على طلب المدعي العام كريم أحمد خان، من المحكمة الجنائية الدولية، بإصدار أوامر اعتقال بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين، الأمر الذي أثار ضجة كبرى في وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية.
وسارع نتنياهو بالرد على هذا القرار قائلا إن "إسرائيل تتوقع من قادة العالم الحرّ أن يقفوا بكل قوة في وجه الهجوم المشين الذي تشنه المحكمة الجنائية الدولية ضد حق إسرائيل الراسخ في الدفاع عن نفسها"، بينما شكك الكثيرون بصلاحيات المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك الحكومة ووسائل الإعلام الأمريكية، ودعوا المحكمة إلى التراجع عن قرارها، ليبقى السؤال الذي يلوح في الأفق: هل يحق لهذه المحكمة أن تصدر أحكامها حول تحركات إسرائيل خلال الحرب؟

فرص تنفيذ مذكرات المحكمة الجنائية الدولية
فيما يخص الخطوات العملية، فتدرس حاليا لجنة من قضاة "المحكمة الجنائية الدولية" طلب مدعيها العام كريم خان، بإصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف جالانت، وبناء على نتائج الدراسة، وفي حال اقتنع القضاة بأن الأدلة المقدمة توفر أسبابا معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وجالانت ارتكبوا جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، وتأكدوا من أن المعيار اللازم لإصدار أوامر الاعتقال قد استوفي، فإنهم سيوافقون على إصدار مذكرات اعتقال بحقهم.
في هذا السياق، قال مدعي عام المحكمة الجناية الدولية إنه "يعول على كل الدول الأطراف في نظام روما الأساسي في أن يتعاملوا مع هذه الطلبات والقرار القضائي الذي سيترتب عليها بالجدية نفسها التي أبدوها في الحالات الأخرى، وأن يوفوا بالتزاماتهم".
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل كما الولايات المتحدة، ليست عضوا في "المحكمة الجنائية الدولية"، الأمر الذي يجعلها تحاول استخدام تلك الورقة أي أنها ليست طرفًا في الميثاق التأسيسي للمحكمة للتأكيد على أن هذه "المحكمة" لا تملك اختصاص النظر بأي قضية تتعلق بها، بينما تؤكد المحكمة أنها تستطيع أن تحاكم مواطنين من أي دولة ملتزمة بنظام روما الأساسي، ويمكنها أن تلاحق الجرائم المرتكبة في أراضي الدول المنتسبة إلى المعاهدة، وبغض النظر عن انضمام دولة المدعى عليه إلى نظام روما الأساسي، أي أنه "قد لا تكون إسرائيل جزءاً من المعاهدة، لكن فلسطين منتسبة إليها. لهذا السبب، تستطيع المحكمة الجنائية الدولية أن تحاكم المسؤولين الإسرائيليين بتهمة التواطؤ في الجرائم".

نظام روما
وفيما يخص نظام روما الأساسي، فقد وضع استثناءات ثلاث تسمح بتنفيذ قرارات المحكمة المتعلقة بإسرائيل حتى وأن لم تكن دولة عضو، وهي كما يلي: موافقة الحكومة الإسرائيلية على التعاون، رفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعوى ضد شخص، وموافقة أغلبية قضاة المحكمة على التحقيق مع أحد مواطني الدولة غير الطرف.
أما فيما يتعلق بمدى إلزامية تطبيق القرار الصادر عن الجنائية الدولية بالاعتقال، فيجدر الإشارة إلى أن المحكمة لا تمتلك أداة تنفيذية لقراراتها فليس لديها قوة شرطة خاصة بها، ولذلك فهي تعتمد على الدول في تنفيذ أوامر الاعتقال التي تصدرها أو على المشتبه بهم أن يقدموا أنفسهم إلى المحكمة طواعية. ومن الناحية القانونية، الدول الأعضاء ملزمة بتسليم من صدر بحقهم أوامر اعتقال، وذلك وفقًا للمادة 86 من نظام روما الأساسي.
حالات استثنائية
وفي حالات استثنائية للغاية، يجوز الاستعانة بمجلس الأمن الدولي والذي يمتلك آلية تنفيذية لقراراته من أجل إصدار أمر باعتقال القادة، لكن وبالنظر إلى موقف مجلس الأمن منذ بداية الحرب الجارية على قطاع غزة، لم يستطيع حتى اليوم أن يصدر قرارًا بوقف إطلاق النار على القطاع ووضع حد للإبادة الجماعية بسبب استخدام الولايات المتحدة الامريكية حق النقض "الفيتو" ضد أيًا من مشروعات القرارات الرامية لذلك، وبالتالي لا يتوقع أن يساند مجلس الأمن في تنفيذ أمر اعتقال صادر عن الجنائية الدولية ضد إسرائيل.

وبالعودة إلى القضايا التي سحبت الدائرة التمهيدية التهم ضدهم بعد صدور مذكرات اعتقال بحقهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فقد انتهت تلك القضايا بإنهاء الدائرة الإجراءات المتعلقة بتلك القضايا، كذلك هناك حالات استثنائية تم فيها إصدار مذكرات اعتقال ضد رؤساء دول، ولم يتم اعتقال أي منهم حتى اليوم.
ولعل أبرز أسباب عدم اعتقالهم، كانت عدم تعاون الدول مع الجنائية الدولية في تسليم الأشخاص المطلوبين للمثول أمام الجنائية الدولية، أو عدم وجود أي قوة إلزامية على الدول الأعضاء لتسليم القادة المطلوبين للمثول أمام الجنائية الدولية، ويترك الأمر غالبًا للضمير القانوني لتلك الدول ولمصالحها السياسية، كذلك في بعض الحالات تم اعتقال هؤلاء الأشخاص من قبل دولتهم، ورفضوا تسليمهم إلى المحكمة الدولية، مثل البشير على سبيل المثال، وسيف القذافي قبل أن يتم العفو عنه في 2017، وأيضا تم إسقاط التهم عن البعض بسبب الوفاة او القتل، مثل التهم الموجه لمعمر القذافي.