البث المباشر الراديو 9090
الدواجن
تقف عايدة محروس (56 عاما) أمام محل الدواجن مذهولة من فارق سعر المحل عن أسعار البورصة التي قرأتها قبل التوجه للسوق، تحاول حساب تأثير ذلك الفارق على مصاريف البيت، تقول عايدة: "بيخرم الميزانية"، لكن ما بيدها حيلة، فلديها صغارا يحتاجون إلى الغذاء، هم اثنين من أحفادها تولت مسؤوليتهما بعد موت ابنتها وزوجها في حادث، وتعتمد على الدواجن لأنها أرخص "البروتينات" سعرا.

قبل ذلك بساعات، واجه "محمد عبد المنعم" صاحب مزرعة دواجن أصعب لحظاته، إذ تُفتح العنابر في منتصف الليل لبيع الدواجن بسعر البورصة اليومي الذي يحدده السماسرة، حيث تُبرم الصفقات في الظلام وينقل التجار الدواجن للمحلات، يراجع عبد المنعم دفتر مصاريف دورة التربية فيجد خسارته تتجاوز 30 ألف جنيه.

منذ إغلاق بورصة بنها، أحكم مجموعة من الأشخاص قبضتهم على تسعير الدواجن بشكل غير مسبوق، يُطلق عليهم "السماسرة"، حتى أصبحوا "كارتلات"، يتحكمون في التسعير باتفاقات أفقية فيما بينهم بتحديد الأسعار إما تثبيتا أو رفعا وخفضا، وهي اتفاقات يشوبها التلاعب، وتفتقد المنافسة وتخالف القانون، ما يؤدي لخسائر فادحة لصغار مربي الدواجن، تضطرهم للخروج من السوق، كما تؤثر سلبيا وترفع الأسعار على المستهلك.

في هذا التحقيق المدفوع بالبيانات، والذي استغرق 6 أشهر، نكشف كيف يتلاعب السماسرة بأسعار الدواجن البيضاء، حيث راقبنا 13 بورصة دواجن في 11 محافظة، في الفترة من 1 يونيو وحتى 30 نوفمبر، إذ يحدد أسعار الدواجن يوميا مجموعة من السماسرة عبر بورصاتهم، هذه البورصات عبارة عن مكاتب غير مقننة، بالإضافة إلى ضرر هذه التلاعبات على المربي والمستهلك في آن واحد.

تحليل أسعار البورصات لـ 6 أشهر

الإنفوجراف التفاعلي السابق يمثل رصدا يوميا لأسعار 13 بورصة في 11 محافظة مختلفة، من أقصى الشمال لجنوب البلاد، هذا التنوع الجغرافي يقتضى اختلافا في الأسعار حسب حاجة السوق والعرض والطلب في كل محافظة، وهذه هي قواعد سوق الدواجن في مصر.

لكن يُظهر الخط الزمني اليومي التطابق في الأسعار بين السماسرة، رغم اختلاف مناطقهم الجغرافية والعرض والطلب في كل محافظة، ما يؤكد عمليات التلاعب في الأسعار والاتفاقات المسبقة على تحديد السعر.

كما يظهر بشكل واضح على الخط الزمني محاولات جذب الأسعار في اتجاهات معينة، وهو ما حدث في 24 يوليو، حيث فتحت بورصة "الإيمان" سعر السوق على 72 جنيها، ثم خفضت الأسعار إلى 64 جنيه، وتعتبر الست جنيهات في سعر الكيلو الواحد خسارة كبيرة بالنسبة لمربي الدوجن، وهو ما أحدث ارتباكات في السوق في ذلك اليوم.

ما أحدثته بورصة "الإيمان" في 24 يوليو، ظهر أثره في الأسواق في بدائة شهر أغسطس حينما انخفض أسعار بورصات الدواجن، ولم تكن تخفيضات مبنية على تصحيحات سعرية، وإنما نتيجة فرض أسعار من حيتان السوق، حيث ارتفعت الأسعار بعد ذلك تدريجيا، بحلول يوم 12 أغسطس، لكن العشرة أيام كفيلة بخسائر فادحة، حيث يبيع العشرات من مزارع الدواجن آلاف الأطنان، كما لم تظهر تلك التخفيضات في سعر الكيلو للمستهلك.
كما تتأرجح الأسعار يوميا بفارق يصل إلى 9 جنيهات أحيانا، وهو ما يظهر بشكل واضح على الخط الزمني اليومي لرصد بورصات الدواجن، ويعتبر تأرجح الأسعار دون ثبات كما يظهر على الخط الزمني من أبرز علامات التلاعب في الأسعار.

يُعتبر نشر البورصات أسعارا متساوية في مناطق مختلفة من أنحاء الجمهورية، يختلف فيها العرض والطلب، وبالتالي من المفترض أن تختلف الأسعار في المزارع، واحدة من قرائن تلاعب السماسرة، وهو ما يظهر على الخط الزمني السابق بوضوح، حيث أعلنت 7 بورصات أسعارها في 5 يونيو الماضي، تطابقت 4 منها عند 90 جنيها، و3 أخرى في محافظتي الأقصر والمنيا عند 91، واتفقت جميع أسعار البورصات في 27 يونيو لتسجل 82 جنيها من الإسكندرية إلى سوهاج،  باستثناء الأقصر، وهي أحدى صور الاتفاقات الأفقية المخالفة للقانون، وهو النمط الأكثر تكرارا خلال فترة المسح.

النمط الثاني هو أن تعلن إحدى البورصات سعرا، ثم يتغير لاحقا ليساوي نفس السعر في البورصات الأخرى، وذلك من قرائن الاتفاق على تحديد الأسعار، حيث كان التغيير الأبرز في 6 يوليو، حينما غيرت 3 بورصات الأسعار 3 مرات على مدار اليوم، ما أدى لنزول الأسعار في أرض المزرعة 5 جنيهات لكل كيلو من الدواجن البيضاء، لكن أسعار المستهلكين استقرت عند 95 جنيها، تسبب ذلك اليوم في خسائر فادحة للمربين، فإذا كان متوسط المزرعة 5 آلاف دجاجة تزن كل منها 2 كيلو عند البيع، فقد خسر المربي 50 ألف جنيه، وفي الوقت ذاته لم يستفد المستهلك، حسبما يشرح ماجد عثمان مربي الدواجن من الزقازيق.

سجل تعديلات البورصات للأسعار في 6 يوليو 2024

ويؤكد عثمان أن تغيير السعر من علامات التلاعب بين السماسرة: "بعض السماسرة شركاء في مجازر، فيتفق مع سماسرة آخرين على تخفيض السعر ليشتري المجزر أكبر كمية ويضعها في الثلاجات، ثم يطرحها للبيع لاحقا بأسعار مرتفعة"، مشددا على أن التذبذبات السعرية انخفاضا وارتفاعا دون استقرار لعدة أيام من علامات التلاعب في تسعير الدواجن من قبل السماسرة، بالإضافة إلى القفزات السعرية 5 جنيهات دفعة واحدة دون تدرج.

في العام 2021 جمع عثمان توكيلات من مربي الدواجن، وتقدم بمذكرة لجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ضد تلاعب سماسرة الدواجن، وبدوره حرك الجهاز القضية للمحكمة الاقتصادية التي وقعت غرامة على 5 سماسرة بـ 150 مليون جنيه في 10 أبريل من العام ذاته، ورغم أنها لم تكن القضية الأولى بحق السماسرة لكنهم يعودون لتلك الممارسات مرة أخرى.

وفي 17 يوليو، أعلنت 10 بورصات أسعاراً، تساوت 5 منها عند 70 جنيها، بينما أعلنت بورصتا بنها والإيمان أسعارا مغايرة (67، 68) على الترتيب، لكنهما رفعا الأسعار مثل باقي البورصات لاحقا، لتتساوى أسعار 7 بورصات عند نفس الرقم، وهو ما تكرر في 31 يوليو، إذ أعلنت 9 بورصات أسعارا، حينها 4 بورصات أجرت عدة تغييرات سعرية لتتساوى أسعارها في النهاية عند 73 جنيها، لكن هذه التغييرات المتعددة من دلائل التلاعب في تسعير الدواجن، حسب مجدي أبو المجد، أحد مربي الدواجن من الدقهلية، الذي يؤكد أن هذه التلاعبات أدت لارتباك في الأسعار، ولم يقابلها انخفاضا في سوق التجزئة للمستهلكين.

وتوحدت أسعار البورصات في 26 أغسطس، بعد تغيير بورصتي "الإيمان والبنا" أسعارهما عقب إعلان أسعار مختلفة بداية اليوم، فيما غيرت 3 بورصات أسعارها "رفعا" في 29 أغسطس، لتتساوى الأسعار في 5 بورصات عند 69 بدلا من 67، لترتفع أسعار المستهلك في اليوم التالي لنحو 90 جنيها.

وحسب مراقبون وسماسرة في بورصات الدواجن، هناك 4 علامات بارزة على التلاعب في أسعار الدواجن، أولها الارتفاعات السعرية التي لا تستمر لأكثر من يوم ثم تنخفض الأسعار من أخرى، ثم التخفيضات السعرية غير المبررة التي لا يظهر أثرها في أسعار التجزئة، حيث تدل على أن بعض حيتان السوق يريد شراء كمية من الدواجن بأسعار رخيصة لتخزينها.

ومن بين علامات التلاعب في الأسعار، التغييرات السعريى أكثر من مرة على مدار اليوم، وهي علامة تم رصدها أكثر من مرة موثقة بإعلان أصحاب البورصات، بالإضافة إلى تذبذبات سعرية غير مبررة.

أبرز علامات التلاعب في أسعار الدواجن

وفي 7 سبتمبر أجرت 4 بورصات تغييرات عدة في الأسعار، لترفع السعر من 68 إلى 70 جنيهاً، حيث أعلنت بورصة الإيمان السعر في الثانية مساء عند 70 جنيها، ثم غيرت في الخامسة مساء لـ 68، ثم رفعت مرة أخرى في الثامنة مساء لـ 70 جنيها، والتغييرات نفسها أعلنتها بورصات السقا، وبنها والبنا. 

وأعلنت بورصة الإيمان في 12 سبتمبر السعر عند 75 جنيها ثم خفضت إلى 74 جنيها، بينما أعلنت بورصة السقا السعر عند 72 ثم رفع السعر إلى 74 جنيها، في ذلك اليوم أعلنت 8 بورصات أسعارها، اتفق 6 منها على السعر 74 جنيا، بعد تغييرات عدة، وهو ما تكرر في 16 سبتمبر، حيث رفعت 3 بورصات الأسعار إلى 80 جنيها بواقع 3 جنيهات، هي "الإيمان والتبي والبنا". 

يعلق أبو المجد بأن الأسعار كانت أعلى من قيمتها حينما وصلت 80 جنيها في 16 سبتمبر بـ5 جنيهات، فأدت إلى ركود في الأيام التالية وانخفضت الأسعار إلى 72 جنيها، ورغم استفادة بعض المربين من الارتفاع 5 جنيهات، خسر آخرون 8 جنيهات في كل كيلو.

سجل تعديلات البورصات للأسعار في 7 سبتمبر 2024

 

وفي 23 نوفمبر، أعلنت 4 بورصات أسعارا ثم غيرتها، حيث خفضت بنها، والشافعي والإيمان إلى 66 من 68، لتتوحد الأسعار في النهاية عند 66 جنيها، ورغم أن تخفيض الأسعار خسارة لمربي الدواجن لم تتأثر أسعار المستهلكين وظلت عند 85.

وتحتوي الأقصر على عدد قليل من مزارع الدواجن يبلغ 60 مزرعة عاملة حسب إحصاء قطاع الشؤون الاقتصادية في وزارة الزراعة، ما يجعل أسعار الدواجن على أرض المزرعة في الأقصر أعلى من باقي المحافظات وهو المتعارف عليه في سوق الدواجن، لكن الواقع لا يعكس ذلك، إذ تتطابق في كثير من الأحيان مع أسعار الدلتا التي تعج بأكثر من 7300 مزرعة عاملة حسب المصدر نفسه، وهو ما حدث في 11 يونيو حينما سجلت أغلب البورصات 90 جنيها، و13 يونيو أيضا، وتكرر الأمر 8 مرات أخرى خلال فترة الرصد، بل وصلت بعض الأحيان إلى أسعار أقل من الدلتا، مثلما حدث في السابع من أكتوبر، حيث تطابقت أسعار المنيا والأقصر وأسيوط مسجلة 84، في حين كانت الأسعار في الدلتا 86، وهي عمليات تخفيض تضر بصغار مربي الدواجن.

"سوق الدواجن فيه تلاعب من السماسرة منذ 7 أشهر" كما يعترف "عبد المغيث حسن"، الملقب برئيس جمهورية الفراخ، وهو واحد من السماسرة الخمسة الذين غرمتهم المحكمة الاقتصادية 150 مليون جنيه، ويؤكد في تصريحات لمبتدا: "مش منطقي السوق يطلع في يوم 5 جنيه وتاني يوم ينزلها، طول ما فيه تذبذب في الأسعار وما فيش استقرار يبقى فيه تلاعب".

عبد المغيث يدير بورصة المنصورة للدواجن، هو أحد السماسرة الذين شملهم المسح، لكنه توقف عن نشر الأسعار في منتصف سبتمبر، ليتجه إلى نشاط آخر، ويؤكد أنه عند انخفاض السعر، قد تدفع المزارع الكبيرة للسماسرة لرفع الأسعار، حتى تنتهي من بيع دواجنها، ما يُحدث ارتباكات وصدمات كبيرة للسوق والمستهلك، وتلك هي أبرز أساليب التلاعب.

يتفق معه مجدي أبو المجد: "السوق إذا رفع يوم خمسة جنيهات وانخفض تلك القيمة في اليوم التالي فذلك لا علاقة له بالعرض والطلب، وإنما أحد المنتجين الكبار يبيع مزرعته، واتفق مع السماسرة للبيع بأعلى سعر"، وبالمثل الانخفاضات السريعة وغير المبررة التي لا تدوم ولا تؤثر في السعر للمستهلكين، هي دلالة على أن أحد المجازر يريد أن يشتري كمية كبيرة، ويريدها بأقل سعر، وهذه الممارسات تدمر قطاع الدواجن، الذي يبلغ حجمه 100 مليار جنيه.

وتابع: ارتفاع السعر عن القيمة العادلة يضر أغلب المربين لأنه يحدث ركوداً في حركة البيع، حينما يعجز المستهلك عن الشراء، إذ ستنخفض حينها القدرة الشرائية للمستهلك، وبالتالي لا يستطيع المربي بيع دواجنه ويخسر نتيجة تكاليف الأعلاف والدواء والعمالة، فيغلق المربي مزرعته، فترتفع الأسعار في حلقة متصلة ببعضها.

وتتفشى التلاعبات في قطاع الدواجن نتيجة غياب بورصة رسمية، واعتماد العاملين في القطاع على بورصات موازية وكيانات غير رسمية للسماسرة، فرضوا سيطرتهم على الجميع وعطلوا قانون العرض والطلب، والنتيجة أن المنتِج يخسر، والمستهلك يدفع أكثر من القيمة العادلة، حسبما يؤكد ماجد عثمان، مطالبا بعودة بورصة بنها للعمل مرة أخرى لتحديد السعر العادل للدواجن وإنقاذ الصناعة من السماسرة. 

"ما فيش سمسار عنده بيانات كاملة بعدد الدواجن في المزارع"، يؤكد ماجد عثمان، احتياج صناعة الدواجن لبورصة إلكترونية بعيدة عن التلاعب، تضم المربي والتاجر وتُشرف عليها الدولة، يُدخل المربي عدد دواجنه الجاهزة للبيع، والتاجر يُدخل احتياجاته، وبالتالي يكون العرض والطلب واضح وشفاف للجميع، لا يخسر المربي ولا يدفع المستهلك أكثر من القيمة العادلة، وذلك في مصلحة المستهلك في المقام الأول: "المربي لما يخسر بيقفل ما يؤدي لزيادة الأسعار"، مستنكراً: "السمسار مجرد طرف ثالث لا ربى ولا باع ولا خسر لكنه المتحكم في التسعير".

قانون حماية المنافسة

يخالف سماسرة الدواجن باتفاقاتهم على تحديد الأسعار أو التلاعب بها، القانون المصري، حيث تحظر المادة 6 من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، الاتفاق أو التعاقد بين أشخاص متنافسين فى سوق معين، وحددت غرامات مالية عند ارتكاب الممارسات التالية: 

- رفع أو خفض أو تثبيت أسعار المنتجات محل التعامل.

- بيع منتجات بسعر يقل عن تكلفتها أو تكلفتها المتوسطة.

- اقتسام الأسواق أو تخصيصها على أساس من المناطق الجغرافية أو نوعية المنتجات أو المواسم أو الحصص السوقية.

- الامتناع عن إتاحة أو إنتاج منتج شحيح متى كان إنتاجه أو إتاحته ممكنة اقتصاديًا.

ويعاقب القانون كل من يخالف المادة 6 من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بغرامة لا تقل عن 2% ولا تتجاوز 12% من إجمالي إيرادات المنتج محل المخالفة، خلال فترة المخالفة وفى حالة تعذر حساب إجمالي الإيرادات تكون العقوبة غرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تتجاوز 500 مليون جنيه.

تسعيرات عشوائية

كما يعاني قطاع الدواجن من التسعير العشوائي من جهات أخرى مثل صيدليات وعيادات الأدوية البيطرية، حيث تنشر العيادات والصيدليات البيطرية الأسعار يوميا، مثل "عيادة الأندلس البيطرية ببرديس لعلاج جميع أمراض الحيوانات والدواجن".

صورة الأندلس

مربي خارج المعادلة

"محمد سعيد"، كان يمتلك 4 مزارع دواجن في الزقازيق لمدة 6 سنوات، لكن آخر دورة له في العام الماضي مُني بخسائر فادحة، اضطر على أثرها لترك مجال الدواجن والسفر للعمل بالخارج، قائلاً: "مشكلتي كان سببها السماسرة".

يتحدث سعيد عما كان يتعرض له بألم، إذ كان ضحية لتلاعب سماسرة الدواجن: "يتحكم بعض الرجال في سوق الدواجن بالكامل ويفرضون سطوتهم عليه ولا يستطيع أحد أن يخالفهم".

"حينما يفرضون سعرا يلتزم به الجميع ولا يهمهم من يخسر ولا يعبأون حتى بالمستهلك، المهم هو أن هناك صفقة يجب أن تتم" حسبما يشرح محمد سعيد.

ويوضح: يمسك سمسارة الدواجن الكبار بخيوط اللعبة في أيديهم، من ناحية يعرف مربي الدواجن وعدد المزارع في كل منطقة وموعد نضوج الدواجن لبيعها، ومن ناحية أخرى يعرف جيدا من يريد الشراء من التجار في كل منطقة، فهو يلعب دور الوسيط بين الحلقتين، يوفر للمربي المشتري، ويوفر للمشتري الدواجن، لذلك يحكم السماسرة قبضتهم على السوق.

52 بالمئة من مزارع الدواجن في مصر، توقفت حسب آخر إحصاء صادر عن قطاع الشؤون الاقتصادية في وزارة الزراعة، بشأن الثروة الداجنة عن عام 2022.

1357 مزرعة دواجن متوقفة في محافظة الغربية، مقابل 1200 مزرعة عاملة، أي أن المزارع المغلقة أكثر من العاملة، بنسبة 53%، لتتصدر "الغربية" المركز الأول في ترتيب المحافظات التي تحتوي على مزارع دواجن مغلقة، يليها محافظة البحيرة بـ 1186 مزرعة مغلقة، ثم الشرقية في المركز الثالث بـ 1185 مزرعة.

ويصل حجم الاستثمارات في صناعة الدواجن إلى 200 مليار جنيه، حيث يوفر ذلك القطاع 3.5 مليون فرص عمل مباشرة وغير مباشرة سنويا.

أما محافظة مطروح فبها 1062 مزرعة، وعدد المزارع العاملة 162 فقط، مقابل 900 متوقفة، أي أن كل مزرعة عاملة تقابلها 5 مزارع مغلقة في مطروح، بنسبة 85% من إجمالي عدد المزارع بالمحافظة.

الحال في محافظة القليوبية لا يختلف كثيرا، فالمحافظة التي كانت تحتضن بورصة بنها ومنها يخرج تسعير الدواجن إلى باقي محافظات الجمهورية، تحتوي على 768 مزرعة دواجن، لكن يعمل منها 144 مزرعة فقط، وكل مزرعة عاملة تقابلها 4 مزارع مغلقة، ليصل عدد المزارع المغلقة إلى 624، بنسبة 81% من إجمالي المزارع بالمحافظة.

 

يتأثر المستهلك بشكل مباشر من تلاعبات سماسرة الدواجن، فضلا عن تعدد سلسلة التداول، وفي المتوسط يدفع 13 جنيها زيادة في كل كيلو من لحوم الدواجن عن سعر المزرعة، ويصل هذا الفارق لـ 22 جنيها أحيانا، حيث كان متوسط سعر الدواجن في أرض المزرعة في 31 أغسطس 67 جنيها، بينما بلغت في محلات التجزئة إلى 90 جنيها، حسب رصد الأسعار اليومية للدواجن في بعض محال التجزئة في القاهرة الكبرى، على مدار فترة المسح.

ويؤكد ماجد عثمان على وجود فجوة سعرية كبيرة بين أسعار الدواجن في المزارع وأسعار البيع للمستهلك، فلا توجد علاقة بين الاثنين، ففي أغلب الأحيان عند انخفاض الأسعار في مزارع الدواجن لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى انخفاض الأسعار للمستهلكين، ما يضر بالمستهلك والمربي في نفس الوقت.
وتقول عايدة محروس أنها لم تعد قادرة على شراء لحوم الدواجن بنفس المعدل الشهري بسبب ارتفاع الأسعار حيث قللت شرائها من 4 مرات شهريا بمعدل مرة أسبوعيا إلى 3 مرات فقط، رغم أن الدواجن هي أرخص البروتينات سعرا وهو ما يؤثر بطبيعة الحال على صحة أحفادها.

وتوضح بيانات الجهاز المركزي للمحاسبات انخفاض نصيب الفرد في مصر من لحوم الدواجن من 17 كيلو للفرد إلى 13 كيلو فقط سنويا.

الدكتور نادر جمال، خبير التشريعات الاقتصادية، يقول إن قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، يُعنى بالحفاظ على البيئة التنافسية ما يصب في مصلحة المستهلك في النهاية.

وأوضح أن سماسرة الدواجن، يقعون تحت طائلة قانون المنافسة، لأن القانون يُلزم التاجر والمنتج والمسوق للسلعة بحرية المنافسة وعدم الاحتكار.

وأشار إلى أن المادة السادسة من قانون حماية المنافسة واضحة في حظر الاتفاقات بين "المنتجين والمسوقين والتجار"، وفي حالة حدوث اتفاق بين أي منهم على تثبيت أو خفض أو رفع الأسعار يعتبر ذلك تلاعبا يضر بالمنافسة ويؤثر على المستهلك، وذلك يضر بالاقتصاد القومي في نهاية الأمر.

ويؤكد الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بالغرفة باتحاد الغرف التجارية، أن تفعيل قانون 70 لسنة 2009، الخاص بمنع تداول الطيور الحية، يلغي الوسطاء مثل السماسرة، ويوفر 90% من الفارق الذي يدفعه المستهلك زيادةً عن سعر المزرعة.

ويحظر قانون 70 لسنة 2009 تداول الدواجن حية، ويُوجب ذبحها داخل مجازر معتمدة لتقليل نسبة المخاطر والأمراض، التي تنتج عن تداولها حية عدد من الوسطاء ما يرفع سعرها على المستهلك.

وشدد رئيس شعبة الثروة الداجنة، على أن تطبيق قانوني حماية المنافسة وحظر تداول الطيور حية، يُنقذ صناعة الدواجن التي تبلغ 100 مليار جنيه، بالإضافة إلى اعتماد الشعب المصري عليها في تلبية احتياجاته من البروتين، لأنها أرخص من اللحوم الحمراء والأسماك.

النائب باهر غازي، عضو مجلس إدارة جهاز حماية المنافسة، يشير إلى تحريك الجهاز قضيتين سابقتين، الأولى في 2019، والثانية في 2021، ويعمل على مدار الوقت لرصد المخالفات في مختلف الأسواق لمكافحة الممارسات الاحتكارية التي تضر بالاقتصاد والمواطن.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز