الملاحة في البحر الأحمر
بشكل عام، منذ أن بدأت جماعة الحوثي في استهداف السفن العابرة لباب المندب، قرر الأربعة الكبار في مجال الشحن البحري، تحويل مسارات سفنهم لطريق رأس الرجاء الصالح كبديل للبحر الأحمر، تفاديًّا لمخاطر تعرض جماعة الحوثي لسفنهم، ولكن هذا التغيير في مسار السفن العملاقة يطيل رحلة عبورها من الشرق للغرب الى ما يزيد على 80 يوميًّا بخلاف ما يترتب على ذلك على من استهلاك أكبر للوقود، بخلاف ارتفاع تكلفة الإبحار في بحر هادئ مقارنة بالإبحار في مياه المحيطات المفتوحة، جميعها عوامل ترفع تكلفة الشحن والنقل والوقود والتامين وتطيل المدة، وبالتالي زيادة في نسب التضخم العالمية.
وهو الموقف الذي يترتب عليها هل ستلجأ الشركات الكبرى للضغط من عودة المرور من البحر الأحمر بأمان، ولأي درجة تعتبر ضغوط التكلفة المرتفعة للشحن من خلال طريق رأس الرجاء الصالح، دافعًا للمرور من البحر الأحمر قبل الحصول على ضمانات بعدم تعرض جماعة الحوثي لها.

طريق رأس الرجاء الصالح شديد الصعوبة
يوضح الدكتور عماد الساعي، أستاذ اقتصاديات النقل واللوجستيات؛ الصعوبات والتحديات التي تواجهها السفن خلال مرورها من طريق رأس الرجاء الصالح، قائلًا: «طريق رأس الرجاء الصالح شديد الصعوبة، من حيث الملاحة، مقارنة بطريق البحر الأحمر، فالأخير هو أشبه بطريق ممهد للسفر الطويل، ولكن الآخر هو أشبه بالسير في مناطق جبلية وعرة، وبالتالي تكلفة استهلاك الوقود لقطع ميل بحري واحد، قد تتضاعف من ربع طن داخل البحر الأحمر، مقابل 3 أطنان للميل في أجزاء من طريق رأس الرجاء الصالح"، ورغم ذلك ستفضل الخطوط الملاحية العالمية الاستمرار في طريق رأس الجاء الصالح، لأن المعادلة هنا تعتمد على أن التكلفة المرتفعة مع ضمانات الملاحة أمنة، أفضل كثيرًا من خفض التكلفة مقابل عدم اليقين، وارتفاع المخاطر لأعلى مستوياتها خلال المرور من باب المندب.
وأضاف الساعي، أن الموقف المعلن من الحوثيين في اليمن هو جزء من الصراع الجيوسياسي في المنطقة، ورغم بدء الهدنة في غزة التي كانت تعتمد عليها القبائل في اليمن للاعتداء على حركة الملاحة في البحر الأحمر، انتهت ولكن لن تتوقف حالة العداء المستمر بينهم وإسرائيل، خاصة وأن النزعة القبائلية والعنتريات يصعب معها التنازل عن هذا العداء، مع ملاحظة أن الحوثيين ليسوا جماعة واحدة، ولكنهم قبائل يقودهم النزعة القبلية، وليست القومية الوطنية، وهو ما يجعل الحصول على ضمانات منهم بتوقف الأعمال العدائية في البحر الأحمر أمر شديد الصعوبة، لأن أي قبيلة منهم قد ترى في أي لحظة أن تحتاج تثبت شجاعتها او استفذاها من أي طرف قد تقوم بعمل عدائي دون الرجوع لباقي القبائل.

خطة لتخفيض رسوم العبور في قناة السويس
ومن الناحية التقنية، ومعدلات التشغيل، قال الدكتور الدكتور حمدي البرغوثي، خبير النقل البحري، إن الظرف الحالي ملاحيًّا على مستوى البحر الأحمر، حاليًّا تشهد تباطئًا في حركة المالحة بشكل عام، لأن شهر فبراير هو شهر عطلات في الصين، وبناء عليه تتأخر وتتوقف كثير من الشحنات الصادرة عن موانئ الصين، وستظل الماحة بطيئة وهادئة في البحر الأحمر حتى النصف الثاني من مارس المقبل.
وأضاف: يستبعد أن يكون هناك أي خطة لتخفيض الرسوم العبور في القناة، من باب تحفيز الخطوط الملاحية للمرور من البحر الأحمر، ولكن الأوقع أن يكون هناك رفع كفاءة لآليات التشغيل استعدادًا لعودة الملاحة بكثافة مرة أخرى في أقرب وقت؛ استنادًا إلى تنفيذ الهدنة في غزة.
وأوضح أن عودة الملاحة للبحر الأحمر لن تكون بشكل مفاجئ وفى يوم وليلة، لأن هناك تعاقدات تمت بالعفل والسفن استقرت على المرور من رأس الرجاء الصالح والتزمت بتوقيتات شحن وتسليم محددة بناء على هذه المسافة، وهذه التعاقدات مع خطوط التشغيل الملاحي هي قرارات استراتيجية، حيث تبرم هذه العقود لمدة عام، وهو ما سبب حالة ارتباك لموانئ البحر الأحمر وباقي الموانئ المرتبطة بهذا الخط الملاحي، لأنه فور إبرام هذه العقود أصبح الجميع يعلم أن هناك تغييرًا لمسارات السفن لمدة عام كامل.
وأفضل ما يمكن استغلاله في الفترة الحالية، هو رفع كفاءة التشغيل في القناة لتكون هناك فرصة لزيادة رسوم العبور بناء على إجراءات رفع كفاءة التشغيل، لتعويض قيمة الرسوم التي فقدتها القناة خلال الشهور السبع الأخيرة.
رأي شركات الشحن الكبرى بالعالم في الاعتماد على رأس الرجاء الصالح
وبالنسبة لموقع الأربعة الكبار في مجال الشحن البحري، يوضح الدكتور محمد علي، خبير النقل واللوجستيات، أن الأربع شركات الكبرى في مجال الشحن لا تزال ترى أنه من المبكر اتخاذ قرارات بالعودة للبحر الأحمر مرة أخرى إلا بضمان استقرار كامل للمنطقة، وتحاول شركتا جلويد وكيرسك للترويج إلى أنها تعتزم الاستمرار في الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح، لفترات زمنية طويلة من خلال دراسة نقاط الترميز والمتابعة لخطوطهم الملاحية على طول طريق رأس الرجاء الصالح، بحجة استدامة استقرار سلاسل التوريد العالمية، وذلك على الرغم من أنه طريق صعب من الناحية الملاحية والأطول ووجود بعض أعمال القرصنة به، إلا أنهم ينظرون إلى أن تكلفة التأمين خلال رأس الرجاء الصالح أقل كثيرًا من تكلفة تأمين المرور من البحر الأحمر.
ولفت الدكتور محمد على، إلى أن الأمر لا يخلوا من الضغوط السياسية واللعب على أهداف سياسة وتجارية في نفس الوقت، فيما يخص قناة بنما وتصريحات الرئيس الأمريكي بالسيطرة عليها وإدارتها من قبل الولايات المتحدة، بحجة أنها جزءٌ من الحرب التجارية مع الصين، مع الأخذ في الاعتبار أن قناة بنما تعتبر منافسًا جزئيًّا لقناة السويس، ما قد يترتب عليه منافسة بين الممرين في جب خطوط الملاحة والتشغيل، خاصة وأن قناة السويس ومضيق باب المندب يعتبرا جزءًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تسعى من خلالها الصين لإعادة تفعيل خطوط التجارة القديمة التقليدية بين الشرق والغرب.
وأشار إلى أن ما تم طرحه في كتاب عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث في 2009، أصبحت تطبق حاليًّا من القوى الكبرى، والتي تسعى إلى اقتناص فترات الأزمات لتمرير وفرض سياساتها، وإذا لم تكن هناك أزمات وكوارث فهناك توجه لافتعال الأزمات ثم استغلالها في فرض توجهاتهم.