البث المباشر الراديو 9090
الحوثيون وباب المندب
تزداد حدة الأزمات العالمية ويتكرر صداها مرارًا وتكرارًا، والخبراء يحذرون من موجات عنيفة من التضخم العالمي وتباطؤ في معدلات نمو التجارة العالمية، وأعباء تُضاف إلى سلاسل الإمداد والتوريد في جميع أنحاء العالم.

ومهما زادت أعباء وتكاليف الشحن والنقل، يتحملها في النهاية المستهلك النهائي في صورة ارتفاع أسعار السلع والمنتجات.

وجاءت أزمة تباطؤ الملاحة في جنوب البحر الأحمر بالتزامن مع أزمة غزة في ديسمبر 2023، لتزيد من حدة الأزمات العالمية وتدفع نحو مزيد من الاضطرابات في سلاسل الإمداد والتوريد، وزيادة الأعباء المالية على الشحن الدولي.

إنفوجراف

نزيف الخسائر مستمر بلا توقف

وعلى الرغم من أن الصورة تبدو شديدة القتامة، وأن الجميع يعاني، ونزيف الخسائر مستمر بلا توقف، فإن هناك مستفيدين من هذه الأزمة يحققون أهدافهم بهدوء، دون أن يعبأوا بما يترتب على ذلك من أعباء على المستهلك النهائي في مختلف دول العالم، ولا بتباطؤ المصانع في الإنتاج، ولا بضعف نمو التجارة العالمية.

تأتي قناة السويس على رأس الجهات الأكثر تأثرًا سلبًا بتعطل الملاحة في جنوب البحر الأحمر، وهو ما تحاول إدارة القناة التغلب عليه من خلال عدد من الإجراءات، منها إعلان الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في 14 مايو الجاري، عن تخفيض مؤقت لرسوم سفن الحاويات بنسبة 15%، وذلك في بيان صدر عقب اجتماعه مع ممثلي مجموعة "إيه بي موللر ميرسك".

وتطرق البيان الصادر عن هيئة قناة السويس إلى "دعوة مجموعة إيه بي موللر ميرسك للمبادرة باتخاذ قرارات جديدة بتعديل جداول إبحارها والعودة التدريجية للعبور من قناة السويس في ضوء التطورات الإيجابية التي تشهدها الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر".

مستجدات الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر

وأعربت كاميلا جين هولتس، نائب رئيس المجموعة، عن حرص المجموعة على العودة للإبحار عبر قناة السويس مرة أخرى، وهو ما ينعكس على اهتمام المجموعة بمتابعة مستجدات الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر، ودراسة المعطيات المتغيرة على مدى الساعة، بحسب البيان.

وتضمن البيان: "تأكيد هاني النادي، ممثل المجموعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن قناة السويس ستظل الخيار الأول للمجموعة، مشيرًا إلى أن المؤشرات الإيجابية الأخيرة عن استقرار الأوضاع في المنطقة تمثل دفعة جيدة تستقبلها المجموعة بمزيد من الدراسة والتحليل الجاد".

ويأتي هذا اللقاء بعد أيام من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن هدنة في باب المندب، بعد مرور شهرين على إطلاق الحملة العسكرية الأمريكية في 16 مارس الماضي، بهدف "الوقوف في وجه الإرهاب وحماية التجارة الدولية".

تُعتبر هذه الحملة العسكرية في جنوب البحر الأحمر هي الثالثة في المنطقة منذ بدء أزمة اضطراب الملاحة في باب المندب في ديسمبر 2023، إذ سبقها حملة في عهد الرئيس بايدن، عملية "حارس الازدهار" (Operation Prosperity Guardian) التي بدأت في 18 ديسمبر 2023 وفشلت في تحقيق أهدافها، ثم الحملة الثانية بقيادة الاتحاد الأوروبي، عملية "أسبيدس" (Operation Aspides)، التي بدأت في 19 فبراير 2024 بهدف توفير الحماية للسفن التجارية، وقد فشلت أيضًا في تحقيق كامل أهدافها.

مضيق باب المندب

سلاسل الإمداد والتوريد

وعلى الرغم من طول أمد هذه الأزمة وتأثيرها السلبي على سلاسل الإمداد والتوريد، وما يترتب عليه من زيادة حدة أزمة التضخم العالمي، كانت هناك مجموعة من المستفيدين من استمرار هذه الأزمة، إذ يكشف الدكتور محمد علي إبراهيم، أستاذ اقتصاديات النقل والعميد المؤسس لكلية النقل الدولي واللوجستيات، أن المستفيد الأكبر من تعطيل وتباطؤ الملاحة في البحر الأحمر، هي شركات الشحن العالمية الكبرى، وأن أكبر المتضررين من هذه الأزمة هو المستهلك النهائي للسلع.

يستند الدكتور محمد علي في وجهة نظره إلى مؤشرات ارتفاع أرباح شركات الشحن منذ بداية أزمة مضيق باب المندب مع الحوثيين في ديسمبر 2023 وحتى الآن، قائلًا: "المستهلك النهائي هو أكبر الخاسرين والمتضررين في هذه الأزمة، لأن ارتفاع أسعار الشحن والتأمين وطول مدة الشحن يرفع التكلفة النهائية للسلع والمنتجات في الأسواق العالمية، وارتفاع الأسعار يدفع دائمًا إلى ضعف الإقبال على المنتجات، وبالتالي موجة جديدة من التضخم العالمي".

ويضيف أستاذ اقتصاديات النقل أن اللحظة الحالية تُبرز ثنائيات مهمة، أهمها أن مصالح شركات الشحن الدولية تتعارض مع مصالح المستهلك الأخير، وأن استقرار التجارة العالمية وانضباط سلاسل التوريد عدوهما الأول هو النزاعات وعدم الاستقرار.

ويقول العميد المؤسس لكلية النقل الدولي واللوجستيات، إنه خلال فترة الإغلاق نتيجة وباء كوفيد، استغلت شركات الشحن الدولية هذه الفترة لضخ استثمارات في الشاحنات العملاقة الجديدة التي دخلت الخدمة مؤخرًا، ما أدى إلى فائض في العرض مقابل ثبات الطلب – نتيجة تباطؤ التجارة العالمية – فارتفعت قدرات شركات الشحن وأصبحت أعلى من الطلب العالمي على شحن السلع والمنتجات والمواد الخام. وكان من المفترض أن يؤدي ذلك إلى خفض في أسعار الشحن وتكاليف تأمين السفن، لكن جاءت أزمة "قطاع غزة" وما ترتب عليها من تضامن الحوثيين واضطراب الملاحة في جنوب البحر الأحمر، لتعطي هذه الشركات فرصة لرفع أسعار الشحن عالميًا، وأيضًا لشركات التأمين لزيادة تكلفة تأمين المخاطر.

إنفوجراف

 

أسعار الشحن والتأمين على الشحنات

ويُفند الدكتور علي الزيادة في أسعار الشحن والتأمين على الشحنات والسفن إلى جانبين: الأول هو الزيادة الناتجة عن اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما يطيل مدة الرحلات ويرفع التكاليف، والثاني هو الزيادة المترتبة على توسيع نطاق منطقة المخاطر في جنوب البحر الأحمر. وفي النهاية، يتحمل المستهلك النهائي هذه الزيادات في صورة ارتفاع أسعار المنتجات.

ويتفق الدكتور عماد الساعي، خبير اللوجستيات، مع وجهة النظر السابقة، ويفند الأطراف بين أكبر الرابحين وأكبر الخاسرين من أزمة جنوب البحر الأحمر. أولًا: شركات الشحن، ثانيًا: شركات التأمين على السفن والبضائع، ثالثًا: شركات الطاقة البديلة التي شهدت طلبًا مرتفعًا عليها في ظل تباطؤ وتأخير خطوط شحن البترول والغاز الطبيعي، رابعًا: قطاع الحلول البديلة للنقل التي تعتمد على مسارات نقل دولية متعددة الوسائل (بحري، بري، وسكك حديدية)، وخامسًا وأخيرًا: الموانئ البديلة التي تتركز أغلبها في الساحل الغربي لأفريقيا.

ومن وجهة نظر الساعي، فإن أكبر الخاسرين هي جميع الموانئ المطلة على البحر الأحمر، يليها الشركات الأوروبية الكبرى وعلى رأسها "تسلا" و"فولفو" نتيجة تباطؤ وصول مستلزمات الإنتاج إليها، وأخيرًا المواطن الأوروبي الذي يتحمل ارتفاع أسعار المنتجات.

الجدير بالذكر أن قناة السويس تشهد تراجعًا في نسبة مرور الملاحة بها منذ بدء الأزمة، ويُعد تراجع دخل القناة مؤشرًا قويًا على تباطؤ الملاحة في البحر الأحمر بشكل عام، وبالتالي تباطؤ حركة الشحن البحري بين الشرق والغرب والعكس، إذ يمر من قناة السويس 11% من التجارة العالمية، وتمثل الملاحة في البحر الأحمر بوابة مرور لـ40% من التجارة الأوروبية.

مضيق باب المندب

 

المستفيد الأكبر من أزمة تباطؤ الملاحة في البحر الأحمر

ومن وجهة نظر اللواء مهندس وائل قدورة، عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس السابق، فإن المستفيد الأكبر من أزمة تباطؤ الملاحة في البحر الأحمر هم الشركات الكبرى التي رفعت سعر نولون الشحن بما يعادل 300% منذ بدء الأزمة في نهاية 2023، والدافع لذلك معروف للجميع، وهو تشغيل عدد أكبر من السفن على خطوط الملاحة للاستفادة من الطاقات الجديدة التي أضيفت إلى أساطيل الشحن خلال فترة وباء كوفيد.

ويقول قدورة: "التشابك الحالي بين الصراع السياسي والتجاري يزيد الأمور تعقيدًا في المنطقة، ولا يجوز أن نتصور أن إنهاء الصراع السياسي جنوب البحر الأحمر سيكون مفتاح الحل لأزمة الملاحة، لأن هناك عوامل أخرى مهمة يجب أخذها في الاعتبار، وهي معامل المكسب والخسارة، وهو المنطق الذي تلتزم به شركات الشحن الكبرى في العالم. فإذا كان اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح يحقق لها المكاسب المطلوبة بشكل مريح وبدون مخاطر، فما الدافع لسلوك طريق آخر لا يحقق لها نفس العوائد؟".

ومن وجهة نظر عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس سابقًا، "لن تعود هذه الشركات إلى الطرق الملاحية المختصرة إلا بعد تحقيقها تعادل الأرباح مع حجم الاستثمارات التي أُضيفت لزيادة طاقة أسطولها البحري من خلال تأسيس سفن شحن حديثة وضخمة وتعمل بتكنولوجيا متطورة".

ولذلك، فإن الجهات المسؤولة عن الملاحة في البحر الأحمر يجب أن تبحث عن مصلحتها بشكل مباشر، وأن تكون بالمرونة الكافية التي تمكنها من التكيف سريعًا وفق التغيرات العالمية، مثلما تفعل شركات الشحن العالمية. فعلى سبيل المثال، تفرض هذه الشركات دائمًا زيادات في رسوم الشحن في الربع الأخير من كل عام، وهو موسم الذروة في مجال الشحن البحري عالميًا، فلماذا لا تبحث إدارة قناة السويس عن مصلحتها بشكل مباشر كما تفعل هذه الشركات؟

وعلى إدارة القناة أن تتفاعل سريعًا مع تغيرات السوق العالمي، وأن تتفادى أن تكون رد فعل بطيء للمتغيرات العالمية، يجب أن تنطلق المبادرات من إدارة القناة بناءً على قراءة دقيقة للموقف العالمي ومتغيراته، والبحث عن تحقيق المصلحة المباشرة من خلال أفضل عوائد لإدارة الممر الملاحي.

ولا يجب أن تنساق إدارة القناة وراء الضغوط الكبيرة لإعادة إيرادات القناة إلى معدلها الطبيعي، باعتبارها أحد أكبر مصادر الدخل من النقد الأجنبي، والتغافل عن أن إيرادات القناة من رسوم العبور تمثل 3% فقط من إجمالي العوائد المتوقعة في حالة تشغيل محور قناة السويس كمركز للخدمات التجارية واللوجستية والصناعية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز