تخزين الغذاء
وأوضحت الصحيفة أن هذه العودة لا تنطلق من نقص عالمي في الإنتاج، بل من شعور متزايد بأن العالم أصبح أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ.

وذكرت "فايننشال تايمز" أنه تاريخيًّا، كانت فنلندا من أوائل الدول التي لجأت إلى تخزين الحبوب في القرن الثامن عشر، بعد أن عانت مجاعة قاسية وحروبًا عطّلت الزراعة، واليوم، بعد مرور ثلاثة قرون، يتكرر المنطق نفسه على نطاق أوسع، مع اتجاه دول من شمال أوروبا إلى آسيا وأمريكا اللاتينية إلى تكديس الأرز والقمح وسلع أساسية أخرى كنوع من التأمين الغذائي.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه السياسات تعكس تراكم صدمات متتالية: جائحة "كوفيد-19" التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد، وصراع أوكرانيا الذي عطل صادرات أحد أهم منتجي الحبوب في العالم، وتصاعد النزاعات الجيوسياسية، إلى جانب التقلبات المناخية الحادة من جفاف وفيضانات وموجات حر، وفي هذا السياق لم يعُد الغذاء يُنظر إليه كسلعة تجارية فقط، بل كأصل استراتيجي شبيه بالطاقة، وفي شمال أوروبا، أعادت دول، مثل النرويج والسويد، بناء مخزونات الحبوب لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، ضمن استراتيجيات الدفاع الشامل.

وذكرت الصحيفة أن هذه الحكومات ترى أن التخزين ضروري لضمان صمود المجتمع في حال الحرب أو تعطل التجارة، أما فنلندا التي احتفظت دائمًا بمخزونات كبيرة، فقد رفعت مستوى استعدادها تحسبًا لعالم أكثر تقلبًا، والاتجاه نفسه يظهر في دول نامية وناشئة، فمصر وسّعت قدراتها التخزينية للحبوب لتغطية أكثر من ستة أشهر من الاستهلاك، لمواجهة صدمات المناخ وتقلب الأسعار العالمية، والبرازيل أعادت بناء مخزوناتها العامة لضمان “السيادة الغذائية”، بينما رفعت بنجلاديش احتياطياتها بعد أضرار لحقت بمحاصيل الأرز.

وفي آسيا، أصبح التخزين أداة اقتصادية وسياسية، فالهند، أكبر مصدر للأرز في العالم، تحتفظ بمخزونات ضخمة وتقيّد الصادرات عند الضرورة، بينما ترفع الصين إنفاقها على تخزين الحبوب والزيوت في إطار سعيها إلى الأمن المطلق للإمدادات.
ونقلت الصحيفة تحذيرات اقتصاديين من أن هذه السياسات، رغم منطقها الدفاعي، قد تأتي بنتائج عكسية، فالتخزين الجماعي يضغط على المعروض العالمي، ويرفع الأسعار، ويضر بالدول الأفقر المستوردة للغذاء.
وتُظهر تجارب سابقة أن القيود التجارية والتخزين الوقائي كانا من أهم أسباب قفزات الأسعار العالمية، إن العالم ينتقل من الثقة في الأسواق إلى عقلية التحوط، لكن هذا التحول يطرح سؤالًا مركزيًّا: هل يؤمن الغذاء محليًّا على حساب استقرار الأسواق العالمية؟