البث المباشر الراديو 9090
جانب الأدلة الرقمية
لم تعد الجرائم تُرتكب في الشوارع فقط، بل انتقلت إلى الشاشات، حيث تُكتب تفاصيلها في رسائل ومحادثات إلكترونية، ومع هذا التحول، وجدت المحاكم نفسها أمام نوع جديد من الأدلة، أبرزها "السكرين شوت"، الذي بات حاضرًا بقوة داخل قاعات المحاكم، مثيرًا جدلًا قانونيًا واسعًا حول مدى حجيته وإمكانية الاعتماد عليه في الإدانة.

الأدلة الرقمية تفرض نفسها

خلال السنوات الأخيرة، فرضت الأدلة الرقمية حضورها داخل ساحة القضاء، خاصة في القضايا المرتبطة بجرائم النصب الإلكتروني والابتزاز والتشهير، إذ أصبحت المحادثات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، والرسائل النصية والصوتية، ولقطات الشاشة، وبيانات الهواتف وأجهزة الحاسب، عناصر أساسية في تكوين الصورة الكاملة للواقعة، ولم تعد مجرد أدوات ثانوية كما كان الحال في السابق.

أدلة رقمية



«السكرين شوت».. دليل أم مجرد قرينة؟

يقول محمد رشوان المحامي بالنقض إن لقطة الشاشة لا تُعد دليلًا قاطعًا بمفردها، وإنما تظل في نطاق القرائن التي يجوز للمحكمة أن تستأنس بها، موضحًا أن القاضي الجنائي يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تكوين عقيدته، وله أن يأخذ بأي دليل يطمئن إليه، بما في ذلك الأدلة الرقمية، متى ثبتت سلامتها وعدم التلاعب بها.

أدلة رقمية

الفيصل في يد الخبراء

وفي هذا السياق، يؤكد محمد الجرواني المحامي بالنقض والدستورية العليا أن الاعتماد على "السكرين شوت" لا ينفصل عن الفحص الفني الدقيق، حيث تلجأ جهات التحقيق إلى تحليل الأجهزة الأصلية، وتتبع مصدر الرسائل، وفحص البيانات الرقمية المرتبطة بها، باعتبار أن أي دليل لا يمكن التحقق من مصدره أو سلامته، يفقد قيمته القانونية مهما بدا ظاهريًا مقنعًا.

أدلة رقمية
التلاعب يهدد العدالة

ومع التطور التكنولوجي، برزت إشكالية أكثر تعقيدًا، تتمثل في سهولة التلاعب بالأدلة الرقمية، سواء من خلال برامج تعديل الصور أو فبركة المحادثات، وهو ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام جهات التحقيق، التي أصبحت مطالبة بالتمييز بين الدليل الصحيح والمصطنع، تفاديًا لأي تأثير سلبي على مسار العدالة.

 

أدلة رقمية

 

بين التطور التشريعي والتحدي التكنولوجي

ويرى علاء علم الدين المحامي بالنقض والدستورية العليا أن هذا التطور المتسارع في وسائل التكنولوجيا يفرض ضرورة مراجعة الإطار التشريعي الحالي، الذي لم يُصمم في الأساس للتعامل مع هذا النوع من الأدلة، مشيرًا إلى أهمية وضع ضوابط أكثر وضوحًا لقبول الأدلة الرقمية، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وضمان فعالية العدالة.

في زمن أصبحت فيه الحقيقة محفوظة داخل هاتف، لم يعد الوصول إلى العدالة قائمًا فقط على ما يُقال داخل قاعة المحكمة، بل امتد إلى ما يمكن إثباته رقميًا، وبين دليل قد يُدين وآخر قد يُفبرك، تظل الكلمة الأخيرة لضمير القاضي، بعد أن تُمحص الأدلة وتُفحص بدقة، بحثًا عن يقين لا يقبل الشك.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز