البث المباشر الراديو 9090
أبو الفتوح
المعروف أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، انفصل تنظيميًا عن الإخوان، غير أن هواه لا يزال أسير جماعته، بينما آليات تعاطيه مع الواقع السياسى والاجتماعى، أبدًا لم تتمرد على كتالوجها الشهير.

الرجل وحزبه مصر القوية، وعلى نهج إخوانه السابقين، يسيران على نفس الأسلوب الجدلى المتعالى، سواء تجاه السلطة، أو القوى السياسية والحزبية، أو الإعلام، طالما أنهما ليس على وافق مع أى منها، وعليه لا يتصدران المشهد إلا بلكنة تعليمية منتقدة، إلى حد الندب والصراخ، بما يوحى زورًا، وعلى عكس الحقيقة والواقع، أن ظاهرتهما الصوتية، لها أى ثقل، فيما أن جام قدراتهما تنحصر فى ملكة الكلام المحكم والطنطنة الشعاراتية..

سيقول البعض، إن التضييق التقليدى على العمل الحزبى، ناهيك عن الضغط الإعلامى على أصحاب الجذور الإخوانية، يعيقان حصول أبو الفتوح ونافذته للعمل العام على فرص حقيقة للتعبير عن الذات.. فى ذلك كثير من الصحة بلا شك، لكن هل لدى قيادى التنظيم السابق، استعداد أصلًا، وبالطبع إمكانية نفسية وذهنية، وقبلها إرادة سياسية جادة، لمغادرة منطقة متصيد الأخطاء، إلى ساحة الاشتباك الحقيقى مع ملفات الدولة، بحيث يصبح لكلامه، أو لكلام كوادر مصر القوية، صدًا ولو خافت، غير مشوك فى نواياه؟.. لا يبدو أن الرجل لديه إجابة على السؤال السابق من الأساس.. فاقد الشىء لا يعيطيه.

قد يبدو معذورًا إلى حد ما.. حوله نخبة شبابية معتبرة (إخوانية النشئة فى أغلبها)، من الناحية السياسية، لكنها قليلة العدد جدًا، ثم أنها غير حركية بالمرة.. مصر القوية، بات على أيديهم، مفرخة أفكار.. الحزب تحول إلى دار للندوة.. لكن الإنصاف يقول إن أبو الفتوح يتحمل مسؤولية ذلك.. لا يزال يعيش فى أجواء عضوية مكتب الإرشاد، حيث الكبار ينفذون، والصغار صاغرين على طول الخط.. لا يسمع إلا صوت نفسه ولو استمع لكل المحيطين به.. محاولاته الخجولة للخروج على ذلك النهج، لا تكتمل أبدًا. من شب على شىء شاب عليه.

وحتى حين سعى إلى الخروج من قوقعته، التى إزدادت ضيقًا بعدما قرر أن تصبح وظيفته، والإطار الذى يريد أن يتعامل به الناس معه، كونه كان مرشحًا رئاسيًا سابقًا، فإنه بحث فى دفاتره القديمة، ومن ثم قرر الاندماج مع حزب التيار المصرى، وغالبية أعضائه من شباب الإخوان المنشقين عن الجماعة، بعد 25 يناير، قبل أن يعودوا إليها ولو بصورة غير تنظيمية، بعد عزل مرسى ومظلومية رابعة..

وطالما أنه لا يريد الاعتماد، بل أنه لا يحاول حتى الاعتماد، إلا على أفراد وكوادر من ذات الصنف الذى نشأ وتربى عليه، سواء فعل ذلك بهدف الحفاظ على هالة السلطة لديه، أو لأنه لا يجيد إلا ذلك، فإن أبو الفتوح سيظل قابعًا فى مربع المنظر النخبوى، لا الفاعل الشعبى، مكتفيًا بلقب معارض، ولو على الورق فقط.. معارض لا أدوات لديه، لا مؤيدين له خارج مكتبه السياسى فى "مصر القوية"، إلا العويل والصراخ ضد قانون يصدر، أو حادثة سياسية تتم، لكنه أبدًا لا يبادر بالاشتباك أو إبداء الرأى فى أى أمر، إذ ينتظر وقوعه أولًا، ثم يتصدى للهجوم عليه، فيبدو دومًا وكأنه الصوت الوحيد الحى صاحب الضمير.

إسهامات وإطلالات "مصر القوية" تعكس ذلك بجلاء. فمثلًا، لم يتحرك لانتقاد عقار سوفالدى لعلاج مرضى فيرس سى، إلا بعد أن تعاقدت الشركة الأمريكية المنتجة، مع وزارة الصحة، لتوريده إلى مصر، رغم أن المفاوضات فى هذا الشأن امتدت شهورًا طويلة، وكانت تفاصيلها كافة مباحة ومتاحة للجميع، ومن ثم كان بالإمكان أن يطرح الحزب رؤيته فى وقت مناسب، ليستفد بها صانع القرار، غير أن ما حدث أنه انتظر حتى تم كل شىء، ثم بدأت حفلة الندب..

الأمر ذاته يتكرر الآن، فرغم كم الهجوم المتصاعد، من قوى مدنية وإسلامية، تجاه مشروع قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، فإن الإشارات الواردة من مصر القوية، تقطع بأنه سيقول كلمته بشأنه، بعد أن يصدر رسميًا.. الحزب لا يريد المشاركة بالاقتراحات، يريد فقط الإسهام بـ"التقطيع"..

وحين تصدى الحزب، لتقديم رؤيته السياسية عن الوضع فى مصر، بناءً على دعوة من صحيفة يومية خاصة، وعلى وجاهة ما تضمنته تلك الرؤى من مبادئ عامة، فى الرقابة والتشريع والإعلام والعدالة الانتقالية، لا يختلف عليها اثنان، فإنها وفى المقابل تضمنت السم فى العسل، إذ أنها تجاهلت تمامًا المطالبة بحظر الكيانات السياسية القائمة على أساس دينى، فقالت نصًا:

"ضرورة تعديل قانونى الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية، وخاصة فيما يتعلق بنسبة القوائم إلى الفردى، وإلغاء نظام الانتخاب بالقوائم المطلقة الملىء بالعوار؛ بحيث يدعم القانون المعدل الأحزاب والبرامج السياسية مع ضمان لتمثيل كافة أطياف المجتمع وقواه الحية؛ حتى لا نعيد إلى البرلمان الفاسدين واللاعبين بالمال السياسى ونواب القبلية والعصبيات مع السماح للمستقلين بتشكيل قوائم أو التواجد بداخلها على أن يتم التغلب على شرط المرأة والعمال والفلاحين والشباب وغيرهم من خلال حصة التعيين".. إذن لا كلمة عن مجابهة أحزاب الإسلام السياسى، التى تخالف فى تكوينها الدستور صراحة..

كذلك حاولت الرؤية إيجاد نافذة عودة للإخوان، بتبنيها مطلب المصالحة، فضلًا عن السعى إلى "دمج كل التيارات المتواجدة فيه والقبول بها كلاعب سياسى طالما اتفق الجميع على شروط العمل السياسى وتداول السلطة، على أن يكون هذا الدمج قائما على القبول بالعمل السلمى، العمل العلنى، الالتزام بالدستور و القانون،عدم خلط بين العمل الدعوى والعمل الحزبى، عدم السماح بخطاب تحريضى أو طائفى، وحياد مؤسسات الدولة الرسمية، وعدم مشاركتها فى العمل الحزبى بشكل خاص أو السياسى التنافسى بشكل عام"..

"مصر القوية" يقول بطريقة غير مباشرة لا يجب استبعاد الإخوان، وهم من جانبهم سيتعهدون بفصل الدعوى عن السياسى.. لعبة التقية الإخوانية تتكرر من جديد.. لعبة محاولة إنقاذ الجماعة من جانب أبو الفتوح ورجاله، تتواصل.. هواه التنظيمى القديم غلاب. فعلها من قبل حين طعن فى شرعية محاكمات قادة الإرشاد وتابعيهم، بالزعم أنها تتم أمام قضاء استثنائى، نظرًا لنظرها من قبل دوائر أنشئت خصيصًا من أجل قضايا الإرهاب، والآن يروج إلى أنه لا مستقبل للبلد من دون دمجهم..

تلك هى أزمة أبو الفتوح، لا يقوى على خلع عباءة الإخوان.. يقول إنه ضد قادتها، لكنه لا يقول أن الكيان خرب ولم يعد صالحًا للحياة فى أجواء الدولة الوطنية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز