البث المباشر الراديو 9090
أحداث شارلى إبدو
إذن أوروبا تدفع الآن الثمن غاليًا، لفتح أبوابها على مصاريعها أمام رموز العنف والإرهاب سنوات وسنوات.

التطرف الكامن على أراضيها حاليًا، علاوة على العنف المتصاعد تجاهها بكراهية غير مسبوقة لقيمها المنفتحة، بالتزامن مع عودة العديد من أبنائها ممن انخرطوا فى جيوش الدم الداعشية والقاعدية فى سوريا والعراق وأفغانستان، وغيرها من المناطق الملتهبة حول العالم، إنما يذيقان القارة العجوز اليوم الأمرّين.

مذبحة شارلي إبدو، وما تبعها من اضطرابات فى باريس وعدد من المدن الفرنسية، هي آخر طبعة لدفع ثمن غضّ الطرف من جانب الغرب عن خطر التطرف، وربما ثمن دعمه من الباطن، لتحقيق أهداف غير شريفة بالمرة، فى شرق الأرض وغربها.

الأخطر فى القضية أن أوروبا والغرب عمومًا، يسددان فاتورة حداثتهم المفرطة والمُصدرة من جانبهم للعالم بأثره.. تجنيد العناصر الإرهابية من حاملي الجنسيات الغربية، وكذا استقطاب المجاذيب للانخراط فى صفوف الإرهاب الدولي، وفي قلبه فى وقتنا الراهن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، يداران الآن من أمام شاشات الحواسيب المحمولة، وعبر نوافذ التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر)، ويوتيوب، وغرف الدردشة فى فضاء الإنترنت.. منفّذو المذبحة الفرنسية ارتبطوا بالجهاد العابر للحدود بنفس الطريقة.

�

�

ضحايا حادث شارلى إبدو

 

يقول الباحث فى شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي، فى شهادة له عن تطور عمليات تجنيد العناصر الإرهابية، خاصة فى الغرب: "الآن تغيّر شكل الدعوة والتجنيد، إذ نشرت مراكز أبحاث مرموقة أن 40 ألف تويتة يومية لداعش ومحبيه على تويتر، وأكثر من 210 مواقع للتنظيم.. وتهدف القاعدة، أو ابنها العاق داعش، للتدفق المستمر لموادها الإعلامية، لتعطي صورة لمتابعي الإنترنت أن التنظيم على درجة عالية من التنظيم والتسليح، ويستحق الانضمام إليه".

وينقل فرغلي عمن أسماه المنظّر التكفيري "عبدالله العدم"، القواعد الجديدة والأسس الواجبة لاختيار المجندين بالتنظيمات الإرهابية، ومفادها أن قيادات التنظيم "تعرض على العضو المستهدف مادة فيلمية، أو مادة من موقع على الإنترنت، كوسيلة للتجنيد"، ما علق عليه فرغلي، بأن "التجنيد عن طريق الإنترنت، أحد أبرز وسائل تجنيد الشباب، حيث تشهد الفترة الأخيرة تطورا فى مستوى الجهاد الإعلامي من خلال الفيديوهات والأفلام التي تُبث على مواقع الإنترنت، بلغات مختلفة، تحث على الجهاد، فضلا عن تواصل اللجان الإلكترونية لهذه التنظيمات مع الشباب لإقناعهم بالانضمام من خلال صفحات التواصل الاجتماعي أو غرف الشات". معتبرًا أن الذي سينتصر فى معركة الفضاء الرقمي، هو الفائز الحقيقي فى الحرب على الإرهاب.

تدريب الشباب عبر الإنترنت على صنع المتفجرات والأسلحة

وفي دراسة قيّمة عن سماسرة تجنيد الأجانب فى صفوف داعش، الذين بلغوا -وفق تقديرات غربية رسمية- أكثر من 3 آلاف مقاتل، ثلثهم على الأقل من فرنسا، يقول الخبير الأمني خالد عكاشة، إنه يعتمد على عدة وسائل، منها قنوات يوتيوب، حيث استخدمتها داعش، لنشر الفيديو الذي يصوّر ذبح الصحفى الأمريكى، جيمس فولى، وزميله ستيفن سوتلوف، بينما يمثل على سبيل المثال، موقع Salafi media UK، أرضية لشبكات المهاجرين الأجانب.

كما تقول دراسة عكاشة، فإن هناك أيضًا المواقع الرسمية مثل (أنصار الحق الفرنسى)، الذى يحتوى على خطوات بسيطة لكيفية اعتناق الإسلام، وتتبع التعاليم الدينية، وهو يجذب المتطرفين من خلال مقالات وفيديوهات، ويعتبر وجهة للجهاديين الفرنسيين، (ربما يفسر هذا �بعض الغموض فى حادثة شارلي إبدو)، إلى جانب المنتديات وغرف الشات التى ما زالت تستخدم كآلية للنقاش بين المتطرفين باللغة الإنجليزية والفرنسية، ومثال على ذلك (مركز الفجر الإعلامى)، و(ummah.com)، ومن ثم يتبين أن وسائل الإعلام الاجتماعى مثل (فيس بوك وتويتر) تسهم فى نشر الأيديولوجيات المتطرفة، وتجنيد المقاتلين وجمع الأموال للجماعات المتشددة.

وفى كتاب للفرنسية المتخصصة فى مكافحة التجذر، دنيا بوزار، بعنوان "بحثوا عن الجنة فوجدوا جهنم"، متاح له عروض وقراءات وملخصات ونسخ عدة على الإنترنت، بمختلف اللغات، فإن "المعنيين بالظاهرة الجهادية متنوعون اجتماعيًا وطائفيًا، ويتجذّرون نتيجة شعورهم بالهشاشة والرغبة فى الإفلات من الواقع الاجتماعى الذى لا يرتبطون به، وبعضهم يسعى إلى المغامرة وممارسة النفوذ والقوة".

جهاديون�

وينقل الكتاب، عن الأمين العام للجنة الوزارية لمكافحة الجنوح، بيار نجهان، فى فرنسا، قوله إن "أداة التجنيد فى 90% من الحالات هى الإنترنت، من خلال الشبكات الاجتماعية التى تلعب دورًا أساسيًا، وكذلك المواقع الجهادية التى تقنع الشاب الذى يشعر أن العالم ينبذه، أن هناك عالمًا آخر يعطيه مكانة مميزة".

حسب الكتاب كذلك، فإن المواقع الجهادية لا تتوانى عن تصوير أعمال القتل والذبح، كما لو أنها لعبة فيديو، لا تترتب عليها عواقب، كما تستغل هذه الألعاب، إضافة إلى بعض أفلام السينما الرائجة، التى تتسم بالعنف، لإقناع الشباب بأنهم مدعوون للعب دور إنقاذى كبير، لا بأس إن اضطروا الى القتل لإتمامه. كما يقول متخصصون فى تحليل مضمون هذه المواقع إنها تعمل على تذويب الهوية الفردية، واستقطابها نحو التطرف والتجذير، خلال مهلة تتراوح بين 6 و8 أشهر وفقاً لشخصية الشاب أو الشابة. وبالتالي فإن الجهاديين يستخدمون أكثر وسائل التواصل حداثة، لجذب الشباب الفرنسي نحو واحدة من أكثر القضايا تخلفًا وبربرية، وقد نجحوا فى اختراق كل الطوائف والفئات الاجتماعية، وهو ما يحول دون إلقاء اللائمة على طرف معين دون سواه، وفق الكتاب.

ويبقى تنظيم القاعدة، وفق تقرير لواشنطن بوست الأمريكية، أول حركة عصابات تنتقل من الفضاء الأرضي إلى فضاء المعلومات وعالم الإنترنت، أو ما يطلق عليه "الفضاء السيبري"، مشيرة إلى أن تخطيط وتنفيذ الهجمات التي شنتها عناصر التنظيم فى كل من قطر ومصر وأوروبا بعد 11 سبتمبر، اعتمدت بصورة كبيرة على استخدام شبكة الإنترنت.

تنظيم القاعدة

العديد من تقارير الاستخبارات الأجنبية، كما تنقل واشنطن بوست، تجزم بأن أعضاء القاعدة الشباب من دارسي علوم الكومبيوتر، يستخدمون أجهزة الكومبيوتر المحمول، وأقراص الفيديو الرقمى (دي فى دي)، من مخابئهم ومن مقاهى الإنترنت، سعيًا لاستئناف الاتصال والتخطيط والتدريب والوعظ وغيرها، حتى أصبح الإنترنت مكتبة زاخرة بجميع الوسائل المساعدة للإرهاب، مثل كيفية خلط سم "الريسين" إلى صنع القنابل من المواد الكيماوية التي تباع فى المحلات لأغراض تجارية، وحتى التنكر للإفلات من الرصد والمراقبة وكيفية التسلل عبر الحدود، وكيفية إطلاق النار على الخصوم، فضلًا عن كيفية تجنيد الأتباع والعملاء، تحت لافتة الجهاد الإسلامى، بينما يتاح كل ذلك باللغات العربية والإنجليزية والأردية والبشتو وغيرها.

تطور التجنيد وأصبح عن طريق الإنترنت

التجنيد عن طريق الإنترنت تطور كذلك، وأصبح ممنهجا، ويتبع الوسائل العلمية، عبر وكلاء القاعدة، وبشكل مؤسسى، إذ إنه فى العشرية الأخيرة نجد كيانات عابرة الجنسيات، مثل مؤسسة الشورى للإنتاج الإعلامى، والجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية، ومؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامى، دشنت خططا طموحا لـ"إعداد كامل لتثقيف وتربية وتدريب الأبطال وتوجيههم لدق عروش اليهود والصليبيين والمرتدين والملحدين، ويكون الدرع الحامية للإسلام وأهله"، كما حملت تلك الخطط شعارات غاية فى الإيحاء والدلالة، مثل "إهداء لمدرسة محو الأمية الإسلامى لعلوم القتال والحرب"، قبل أن توفر كل ما يخص التدريب العسكرى، وصنع المتفجرات والقنص، وصنع الأسلحة الخفيفة والمركبة، وتشريك السيارات، ومحاضرات حول حرب العصابات والمدن، ناهيك بكبسولات التعريف والترغيب بحلاوة الجهاد فى سبيل الله، والتي تجد صدى فى تجنيد عناصر جدد على طول الخط.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز