ثورة يناير
وهذه أكثر 20 حقيقة حدثت فى ميدان التحرير، من واقع تجربة شخصية عاصرت كل ما حدث فى قلب ميدان الثورة.
(1)
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتجاوز عدد المتظاهرين من الشباب فى ميدان التحرير الألف. كانت حركة المرور فى الشوارع طبيعية، لكن اسم ميدان التحرير بدا أكثر إزعاجًا لسائقى التاكسى، كان الهدوء يخيم على الميدان، وكان المتظاهرون يهتفون بسقوط رموز النظام ومن كانوا سببًا فى تزوير انتخابات مجلس الشعب 2010، والبعض كان يردد هتافات معادية للرئيس نفسه، باعتباره سببًا فيما يحدث من غلاء وبطالة وبلطجة وقمع، إلا أن كل هذا تبدل فجأة، بعد منتصف ليل يوم 25 بقليل، فأخذت أصوات القنابل تدوّى فى الميدان، عشرات من القنابل المسيلة للدموع تهبط على رؤوسنا وتفرّقنا، ولكن سرعان ما كنا نعود مرة أخرى.
حدثت اشتباكات عديدة بين بعض المتظاهرين ورجال الأمن، وشاهدت بعينى كثيرًا من الجرحى وكثيرًا جدًا من الذين تم اعتقالهم فى ساعات النهار وأُفرج عنهم، ومن بينهم المخرج عمرو سلامة، الذى رأيته جالسًا على الرصيف وقد ظهرت على وجهه وملابسه آثار الضرب.

(2)
فى صباح يوم الجمعة 28 يناير، استيقظت مصر كلها على قطع كامل لخدمة الإنترنت والتليفونات المحمولة، وكانت خطبة الجمعة فى مسجد السلطان حسن بمنطقة القلعة، أشبه ببيان لضبط النفس، وكان الوجود الأمنى خارج المسجد كبيرًا، وما إن انتهت الصلاة حتى خرج الجميع فى هتاف واحد "الشعب يريد إسقاط النظام"، بينما لم تفلح محاولات الشرطة الموجودة بكثافة أمام المسجد فى قمع التظاهرة التى تجاوزت الآلاف.
(3)
فى ميدان التحرير فى اليوم الذى سمي إعلاميا بـ"جمعة الغضب" كانت عبوات القنابل المسيلة للدموع متناثرة فى كل مكان، شاهدت بعينى قنبلة تقول البيانات المدونة عليها إنها مصنّعة فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003، ومدة صلاحيتها 5 سنوات، أى تنتهى عام 2008، وتحذر من استخدامها بعد هذه المدة، ما يعنى أن الأمن استخدمها رغم علمه بانتهاء صلاحيتها، كما تحذر البيانات من قذفها على الشخص بشكل مباشر، وهو ما لم تلتزم به الشرطة التى هربت.
(4)
فى يوم السبت 29 يناير، اعتبر ثوار ميدان التحرير أن تعيين مبارك لنائب له (الراحل عمر سليمان) رئيس جهاز المخابرات العامة السابق، وتكليف وزير الطيران المدنى السابق أحمد شفيق بتشكيل حكومة جديدة، نوعا من تضييع الوقت، لأن المطلب الأول واضح، وهو تنحى مبارك عن الحكم، كان الشارع يقترب وقتها إلى الراديكالية السياسية، لا تنفعه حلول مثل هذه، حلول تقليدية، أيقنتُ وقتها أن الشارع لن يرضى إلا بالحل الجذرى.

أعلن صفوت الشريف، الأمين العام السابق للحزب الوطنى، يوم السبت 29 يناير، أن أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطنى، أو مهندس عملية "مجلس الشعب"، قدم استقالته من الحزب، كما نفى الشريف فى تصريحاته التى تداولها الجميع فى ميدان التحرير، سفره خارج البلاد، وقال "الذين أحرقوا الحزب مجموعة من البلطجية وليس شباب مصر، وما جرى لمقر الحزب حدث لأماكن عامة أخرى، بل وأماكن خاصة، بسبب عمليات النهب والسلب".
(6)
حدث هرج ومرج، فى ظهر يوم الأحد 30 يناير، حيث قال أحدهم إن ضابطًا من قوات الجيش برتبة نقيب يقود التظاهر بالقرب من ميدان عبدالمنعم رياض، توجهتُ إلى هناك، وجدت الضابط الذى عرفت بعد ذلك أن اسمه إيهاب محمد على، يقف أسفل تمثال الشهيد عبدالمنعم رياض ويهتف "الجيش والشعب إيد واحدة" ثم يكبر "الله أكبر"، التهب الموقف، وشاهدت كثيرًا من الناس يبكون تأثرًا بالمشهد.
(7)
يوم 1 فبراير كان يوم المليونية الأولى. شعرت أن اليوم غير عادى، المواطنون بالآلاف. أغنية "يا حبيبتي يا مصر" لشادية فى كل سيارة، شباب وفتيات يرسمون الأعلام على وجوههم، والكثير منهم يحملون الرايات، كرنفال حقيقى فى الميدان. لم أكن أستطيع حتى التجول فى المكان، شعرت بضيق شديد وبفرحة أشد لتجمع كل هؤلاء، المسيحي والمسلم، الكبير والصغير، وربما الرضيع، الغنى والفقير، ربما كان التجمع الأكبر الذى أشاهده فى حياتى.

(8)
بين المتظاهرين فى المليونية الأولى، جلس ماسح للأحذية بعدته كاملة، يعرض على المتظاهرين أن يمسح لهم أحذيتهم مقابل "اللى يجيبوه"، ورغم الزحام وارتداء أغلب المتظاهرين الأحذية الرياضية، استجاب له البعض، وراح يؤدى عمله فى همة ونشاط، بل واستجاب لمطالب بعض المتظاهرين وأعطاهم الورنيش ليكتبوا به لافتاتهم ويردد معهم الهتاف بسقوط مبارك ونظامه، فلم يكن هذا الرجل يملك شيئا فى يوم ليبكى عليه الآن.
(9)
بعد 4 أيام من الاعتصام، استطعت أن أحدد القوة التى تسيطر على أجزاء بعينها من الميدان، فللإخوان المسلمين إذاعتان: الأولى نصبت أمام شاشة العرض الكبرى بجانب "مطعم هارديز"، وكانت تذيع مشاهد من قناة الجزيرة ويقف عليها مجموعة من الشباب يتبادلون الكلمات، والثانية أمام "مطعم كنتاكى"، لا تختلف كثيرًا عن الأولى سوى أنها مقصد بعض الفنانين والنشطاء.
القوة أو المجموعة الثانية، هى قوة الشباب، ويتركزون أمام مبنى مجمع التحرير، ومدخل الميدان عند كوبرى قصر النيل، وفيها أقيم حفل غنائى أحياه مجموعة من الشباب بآلات الجيتار والعود.
أما القوة الثالثة فكانت قلب الميدان، بالقرب من المتحف المصرى، وعبدالمنعم رياض، وهى قوى "كوكتيل" من كل هؤلاء.

(10)
شاهدت خطاب مبارك الذى بدأ مع اقتراب منتصف ليل الثلاثاء 1 فبراير، وما إن انتهى مبارك من إلقاء خطابه الذى أعلن فيه نيته عدم الترشح لولاية أخرى، وتعديل مادتى الدستور 76 و77، والتحقيق مع المتسببين فى الانفلات الأمنى، صفق البعض، وهلل البعض الآخر، وكان أغلبهم من كبار السن، أما الشباب فانقسموا لمؤيدين ومعارضين، كانت وجهة نظر المعارضين أن الرجل لم يأت بجديد، وأن خطابه مجرد وعود، وأن تلك الوعود كنا نسمعها طوال الثلاثين عامًا الماضية، وأن النية تبدو مبيّتة لتمثيلية جديدة، أما وجهة نظر المؤيدين فكانت تؤكد أن الرجل وعد، وعلى من يعتصمون فى ميدان التحرير العودة لمنازلهم، لترك الرجل يعمل، وتعود الحياة لطبيعتها لأن الضرر كبير.
ولم تمر خمس دقائق على انتهاء خطاب الرئيس، حتى رأيت الحشود تسير وتخرج من كل مكان فى منطقة وسط البلد، مع أن الساعة كانت نحو الثانية عشرة ليلا.
(11)
فى صباح يوم الأربعاء، 2 فبراير، (يوم موقعة الجمل) وصلتنى معلومات تفيد بأن المسيرات المؤيدة لمبارك تتجه إلى ميدان التحرير، فتوجهت إلى مدخل الميدان بالقرب من كوبرى قصر النيل، شاهدت مجموعة ترفع لافتات التأييد لمبارك، ولكن قوات الجيش والشباب يمنعوهم من الدخول، ومن يدخل كان يلاقى بمنتهي الحزم، حذرت الكثير من شباب المعتصمين ألا ينجرفوا وراء مواجهات، فهذا ما يريده هؤلاء، البعض كان يسمع والبعض الآخر لم يعبأ بكلامى. دخل أحد المؤيدين الميدان، ورفع لافتة مكتوبا عليها "نعم لمبارك رئيسًا مدى الحياة" هرول إليه البعض، وكنت منهم، لأمنع الاحتكاكات، ولكنى لم أفلح، شعرت أن الأمر سيخرج عن السيطرة، فتوجهت إلى أحد ضباط الجيش وقلت له:
- أنا: أبوس إيدك يا فندم هتحصل كارثة
- ضابط الجيش: هم بيعبروا عن رأيهم زيكم بالضبط.
- أنا: هتحصل مجزرة.. أبوس إيدك ماتدخّلهمش.
- ضابط الجيش: لو مدخّلتهمش.. مش هدخل حد خالص.

(12)
ثانى أيام موقعة الجمل، وأمام قسم شرطة عابدين، أوقفتنى لجنة شعبية، لكنها لم تكن كذلك، كانت لجنة بلطجية، ودار الحديث التالى بينى وبين شاب لم يتعد العشرين، يحمل سيفًا كبيرًا.
- البلطجى: بطاقتك.
- أنا: اتفضل
أعطيت له بطاقة هويتى، نظر إليها نظرة بلهاء، تنم على أنه لا يعرف القراءة والكتابة، واكتفى بأن نظر إلى الصورة.
- البلطجى: رايح فين؟
- أنا: رمسيس
- البلطجى: ليه؟
- أنا: شغلي هناك
- البلطجى: بتشتغل إيه؟
- أنا: صحفى.
- البلطجى: آآآه.
قالها وكأنه وجد غنيمة، طرق بسيفه مقدمة التاكسى.
- البلطجى: طب انزل لى وورينى الكارت بتاع الصحافة (قطعًا هو يقصد "الكارنيه" لكنه نطقها "كارت").
أخرجت له "كارنيه" اشتراكى فى ساقية الصاوى، الذى لا يحمل أى مهنة، قصدت إخراج هذا "الكارنيه" لشيء فى نفسى، نظر البلطجى نفس النظرة البلهاء وقال:
- البلطجى: م الآخر رايح التحرير؟
- أنا: يا راجل تحرير إيه .. أنا صحفى فن ومليش دعوة ببتوع التحرير دول خالص.
- البلطجى: كده إنت أصلى وكفاءة واحترام.
(13)
أتى وائل غنيم إلى ميدان التحرير، يوم الثلاثاء 8 فبراير. دخل الميدان كبطل شعبى محمول على الأعناق، وقف على خشبة المسرح التى صنعها الثوار فى الميدان، وتحدث بهدوء وشجن، وصعدت إلى المسرح والدة المرحوم خالد سعيد، فاحتضنت وائل فى مشهد أبكى العديدين. بدأ الناشطون من الشباب يقيمون نصبًا تذكاريا لشهداء الثورة من الشباب، أحضروا صورًا لهم مع باقات من الورود والشموع والبخور، المشهد كان إنسانيا جللاً. فى الليل بدأت الدعوات لإقامة اعتصام أمام مجلس الشعب، وبالفعل بدأ الزحف إلى هناك وانضم إليهم مجموعة المعتصمين أمام دار روزاليوسف المطالبين برحيل كرم جبر، رئيس مجلس إدارة المؤسسة، وعبدالله كمال، رئيس تحرير المجلة والجريدة.

(14)
بدأ خطاب مبارك الأخير فى العاشرة والنصف من يوم الخميس 10 فبراير، شعرت فى البداية أنه ليس خطابًا للتنحى، فى منتصف الخطاب اعترض جميع من فى الميدان على لهجة مبارك المتعالية المتكبرة، اعترضت مجموعة كبيرة برفع الأحذية، ولكن الجميع كان يصرخ بأعلى صوته "ارحل .. ارحل"، حتى إننى لم أستطع سماع باقى الخطاب الذى ذكر فيه تفويض سلطاته لنائبه عمر سليمان.
شاهدت بعينى شابًا يبكى بشدة ويصرخ "حرام .. والله حرام .. البلد هتخرب .. هو عايز يسيبها خربانة"، لم أستطع المكوث كثيرًا فى الميدان، وفى أثناء خروجى، كانت الدعوات للذهاب إلى القصر الرئاسى بمصر الجديدة تتزايد وكانت الصيحات "يوم الجمعة العصر.. هنهد عليه القصر"، الكل كان يذكرنا أن الجمعة هو اليوم الأخير لهذا النظام.

(16)
يوم 11 فبراير، تجمع عشرات الآلاف من المتظاهرين فى ميدان التحرير والشوارع المؤدية له، شاهدت بعض الشباب يتحركون تجاه القصر الرئاسى، بدا الأمر جادا، فلم يكن الشباب يمزحون، قابلت البعض منهم وأكد لى أنه على استعداد للموت فى سبيل حرية هذا الشعب.
فى ساعة الغروب، ظهر عمر سليمان على شاشة التليفزيون الرسمى، ليعلن تخلى مبارك عن سلطته كرئيس للجمهورية وتكليفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتدبير شؤون البلاد، بالفعل كانت ساعة الغروب.
تشكل فى رحم الميدان عدد من الحركات والائتلافات الشبابية، لعل أهمها وأشهرها ائتلاف شباب الثورة، الذى ضم شادي الغزالى حرب وخالد السيد وعمرو صلاح، ومصطفى شوقى وأحمد ماهر ومحمود سامى وإسلام لطفى ومحمد القصاص، وزياد العليمى وعبدالرحمن سمير وعبدالرحمن فارس، وناصر عبدالحميد وسالى توما ومحمد عباس، وكان المتحدثان الإعلاميان باسم الائتلاف فى البداية محمد القصاص وزياد العليمى.
الغريب أن هذه الائتلاف كان من بين أعضائه عدد كبير من شباب الإخوان.
دعا وائل الإبراشى لتأسيس حزب جديد اسمه حزب "شباب التحرير"، وأعلن فى الميدان أن لديه 2500 توقيع لإنشاء الحزب.
(19)
تشكل فى أيام الثورة مجلس باسم "أمناء الثورة"، ضم الدكتور محمد البلتاجى والدكتور حسن نافعة وعبدالله الأشعل وزكريا عبدالعزيز وخالد عبدالقادر عودة والدكتور عصام إسكندر، والإعلامية بثينة كامل، والداعية صفوت حجازى ومنى مكرم عبيد والإعلامى محمود سعد وكابتن نادر السيد لاعب النادى الأهلى السابق والروائى علاء الأسوانى والكاتب بلال فضل والعميد صفوت الزيات وسيف عبدالفتاح وصبحى صالح والدكتور حازم فاروق.

(20)
كما تشكلت أيضا "جبهة دعم مطالب الثورة"، وتكونت من 22 شخصية عامة مستقلة، كان أبرز أعضائها المستشار محمود الخضيرى والفقيه ثروت بدوى والكاتب جمال فهمى ومصطفى حجازى والدكتور محمد سليم العوا، وعدد آخر من الشخصيات.