البث المباشر الراديو 9090
محاكمة الإخوان - أرشيفية
الحكاية كلها بدأت مع محامى سويسى، يمكن الإشارة إليه بالحروف الأولى من اسمه "ع. جـ".. إقرارات التوبة التى ينفخ فيها البعض باعتبارها انقلابًا فكريًا لإخوان السجن على تعاليم الجماعة والمرشد، بما يتضمنه ذلك من تطليق العنف، وتوديع الرغبة فى الثأرية والتشفى والتكفير وهدم مفاهيم الدولة الوطنية لصالح مشروع خلافة وهمي، إنما هى فى مضمونها خدعة تزعم الانحياز إلى تراجعات رئيسية إيجابية فى عقلية كوادر التنظيم، كما لا يمكن التعامل معها بثقة واطمئنان كافيين لتصديقها والإيمان بجدواها.

الموقعون على مثل تلك الإقرارات، وغالبيتها جراء جهودات لا يمكن إغفالها من قبل المحامى السويسى ذاته، هم من الساعين للفرار من عذابات السجن فى المقام الأول، وبخاصة أن كثيرين منهم غير منتمين تنظيميًا للجماعة، وإنما من المتعاطفين بالأساس، ومن ثم توقيع ورقة تلعن الإخوان هى ثمن زهيد لنجاة ليست مضمونة.

المحامى بدأ رحلته ذاتيًا، نفر من أسرته زج به إلى خلف القضبان، حين ضاقت به سبل إطلاق سراحه، جاءته فكرة إقرار التوبة، على نهج ما تم فى الحقبة الناصرية.

ولأنه يعى ما يقوم به انتقل إلى القاهرة للقاء محامى شهير آخر، كان أحد أكبر قادة التنظيم يومًا، بينما يشغل اليوم موقعًا مميزًا فى الجهة الرسمية الممثلة لحقوق الإنسان، طلبًا لدعمه فى تمرير إقرارات التوبة، ومن ثمة دعم طلب إطلاق صراح ذويه.

المحامى الشهير ساعد نظيره السويسى على أكمل وجه، قبل أن يطلب منه أن يوسع الفكرة ويعممها لتشمل سجون السويس، ثم باقى السجون الكبرى فى القاهرة، وباقى المحافظات الأخرى.

الفكرة أصبحت واقعًا بمرور الوقت، وتحديدًا حين تبنتها بعض القيادات الأمنية، وخاصة فى السويس، ومن ثم توالت إقرارات التوبة فى مختلف السجون.

البعض يقول إنهم الآن 180 إقرارًا، البعض الآخر يقطع بتجاوزها عدة مئات.. لا يهم.. هل هى بالفعل توبة وقناعة بالتبرؤ من فكر الإخوان وتعاليمهم الظلامية؟.. لا يبدو ذلك.

التائبون، وبخاصة من التنظيميين، يعلنون كراهية كتابية للإخوان بحثًا عن الحرية، لكن عقوله تظل كما هى فى سجن الجماعة، ناهيك أنه لا يوجد أى قيادى كبير أو وسيط وقع على أى إقرار، ما يجعل الفكرة أقل من إحداث اى تأثير أو زلزال فى صفوف الإخوان المتلاحمين حاليًا برباط المظلومية والمحنة.

المحامى الشهير بالقاهرة، أدرك ربما متأخرًا أن فكرته ليست حلًا سحريًا للدولة لإيجاد حل جذرى مع الفئة المُضللة.. بدأ يسحب يده رويدًا رويدًا، بعدما كان عراب الدعم الإعلامى للإقرارات، بينما كان زميله السويسى، مكوك نشرها بين كوادر السجون.

الآن، يقول إن الإقرارات ليست حلًا.. نحتاج مراجعات فكرية، مبنية على خطط تنويرية لنفض "التراب" عن أرواح قبل عقول أعضاء الجماعة المخطوفين نفسيًا بآليات السمع والطاعة، والواقعين فى أسر الكبت وتأليه فقه المرشد الانتهازى.

بينما المحامى السويسى يواصل جاهدًا تحركاته، لا ريب هو يريد أن يكون عراب التوبة، ولما لا وقد باتت تؤتى ثمارها، فى بلده، ومع أفراد أسرته.

فى المقابل، لا يبدو المتحمسون من المسؤولين الرسميين، لتعميم تلك الإقرارات، على إدراك بطبيعة المنتمين للجماعة. مسألة التخلص من أفكارهم الخطرة، تحتاج لعملية تغيير دماء كاملة لهم، بما يعنى أن الدولة تحتاج لتأسيس مشروع جامع حقيقى، خلاق، محدد الأهداف، طويل المدى، لإنقاذ من لم يتورط منهم فى قتل أو جرائم دفع ثمنها أبرياء، من براثن غول العتمة الإخوانية، بدلًا من التعلق فى حبال الإقرارات "الدايبة".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز