كنيسة العور
تعد "العور" من قرى محافظة المنيا الفقيرة، ويعمل معظم أهلها فى أعمال الزراعة كمستأجرين، وعمال باليومية، دون وجود مشروعات تنموية، تساعد الشباب فى العمل، ما جعلها طاردة للسكان، الذين يذهب معظمهم إلى ليبيا للعمل فى الحرف المختلفة.
"مبتدا" تجول داخل القرية، لرصد علاقة المواطنين ببعضهم البعض، ومدى ترابطهم بعد الحادث الأليم، ومدى تأثرهم ببوادر ظهور فتنة طائفية بين مسلمى ومسيحيى القرية، بسبب بناء كنيسة، خلال اليومين الماضيين.
�

فى بداية الأمر، حاولت بعض قوات الأمن منع بعض الصحفيين من تأدية عملهم، بحجة عدم حصولهم على تصاريح أمنية مسبقة، رغم فحصها لكارنيهات جهة العمل، وبعد الابتعاد إلى مناطق متفرقة بالقرية لرصد آراء المواطنين، تقابلنا مع محمد على، أحد فلاحى القرية، الذى روى: "علاقتنا هنا كمسلمين ومسيحييين قوية للغاية، ويوجد ترابط بيننا منذ عشرات السنين، فلم يسمع أحد فى يوم من الأيام أن أهالى العور تشاجروا مع بعضهم، أو قتل أحدهم الآخر، وما حدث فى الأيام القليلة الماضية، من مناوشات بين المسلمين والمسيحيين كان من الممكن أن يحدث فى أى قرية، والمهم إنهاء المشكلة سريعا".
أضاف على: "أحوال شباب القرية لا تسر عدو ولا حبيب، فمعظمهم يحصلون على مؤهلات متوسطة، وعندما يضيق بهم الحال يسرعون إلى السفر لليبيا، سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة، للحصول على لقمة العيش بشكل أسرع هناك، وكان هذا حال جميع شهداء الوطن الذين قتلوا فى ليبيا، أواخر الشهر الماضى على يد داعش".

بينما تحدث ملاك عطا، بأن أكثر من 90% من شباب القرية الذين غادروا إلى ليبيا عادوا من جديد، مع اقتناع البعض بالسفر إلى هناك مرة أخرى، مؤكدا أن الحادث الأليم الذى تعرض له أبناء القرية، تسبب فى حالة من الخوف والفزع لجميع الأهالى، الذين بدأوا مناشدة أبناءهم العودة.
الوجه القبيح للقرية الهادئة بدأ فى الظهور منذ عصر يوم الجمعة الماضية، بعد أن نظم عدد من شباب القرية مسيرة هتفت ضد مسيحى القرية وبناء كنيسة للشهداء، والتى أمر الرئيس عبد الفتاح السيسى ببنائها، عقب استشهاد 21 مصريًا فى ليبيا.
وقال المشاركون فى المسيرة، إن القرية صغيرة ولا تحتاج لكنائس أخرى، لتقع بعدها اشتباكات بين المسيحيين والمسلمين، وكادت أن تتحول إلى ساحة قتال، لولا تدخل عقلاء القرية وإنهاء الموقف سريعا.

ويحكى ماريو فوزى، الأزمة، "لا نعلم لماذا لا يريد مسلمو القرية السماح ببناء الكنيسة، رغم أن هذا حق مشروع لنا، كما أن العديد من المواقع الإخبارية والصحف أكدت أن الهجوم الذى وقع على الكنيسة، كان من مواطنين من خارج القرية، ولكننى أؤكد أن غالبيتهم من داخلها".
أضاف ماريو أنه ذهب إلى قسم شرطة سمالوط، وحاول تقديم فيديوهات للمشاركين فى المسيرة، لكن لم يستمع له أحد، رغم خطورة الأمر.
بينما طالب فتحى صبحى، بعدم بناء كنيسة جديدة بالقرية، مؤكدا أن أراضيها لا تتحمل كنيستين وأن أقباط القرية لا يزيد عددهم على ألفى قبطى، مهددا بقوله: "الحكومة لو حاولت بناء الكنيسة مجددا هتخرب الدنيا بالقرية"، حسب وصفه.
من جانبه، قال القس مقار عيسى، راعى كنيسة السيدة العذراء بالقرية: "لا أعلم سر منع أبناء القرية المسلمين لنا ببناء الكنيسة، وجميعهم يعلمون أن ذلك سيطفىء نار قلوب أمهات الشهداء ولو بعض الشىء، فعندما يذهبون إلى الكنيسة للصلاة ويرون صور أبناءهم معلقة فيها قد يصبرهم ذلك".
كما استنكر قلة التواجد الأمنى بالقرية، الجمعة الماضية، وما ترتب عليه من هجوم على الكنيسة، ومحاولة اقتحامها من قبل متشددين، مؤكدا أن سيارة شرطة كانت تقف على بداية الشارع الذى يؤدى إلى الكنيسة، ورأت قوات الأمن هجوم الأهالى، دون التصدى لهم.

من جانب آخر، قال عزت إبراهيم، الناشط الحقوقى والقبطى، ومدير مركز الكلمة لحقوق الإنسان، إن "الأزمة التى تشهدها القرية غريبة للغاية، وهناك أيد خفية تحرض على ذلك، كما أن الأمر لابد أن يسير كما رأت الحكومة فى البداية، حفاظا على هيبة الدولة".
وأضاف إبراهيم أن السبب وراء الأزمة هو انتشار الجهل بشكل كبير بين أبناء القرية، حيث أن هناك عددا كبيرا منهم لم ينل قسطا من التعليم، وأن بعض المتشددين يروجون أن رجل أعمال قبطى سيبنى مستشفى لصالح الأقباط فقط، وهو أمر غير صحيح.
يذكر أن محافظ المنيا اللواء صلاح الدين زيادة، قد أعلن مساء أمس السبت، عن تشكيل لجنة من كبار العقلاء وأهل الثقة من المسلمين والمسيحيين بقرية العور، للتوصل إلى حلول ترضى الأطراف بشأن بناء كنيسة الشهداء.
وأكد أن أهالى القرية هم القادرون فقط على حل المشاكل، بما يراعى مشاعر بعضهم البعض، دون الإضرار بمصلحة طرف على حساب آخر.