مقبرة جماعية لضحايا مذابح الأرمن
فيما تبقى أرمينيا، وكذا أرمن الشتات، على موقفهم الصلب، وهم يحيون الذكرى المئوية للمجزرة غدًا الجمعة، بأن نحو مليون ونصف المليون من آبائهم وأجدادهم قد قضوا نحبهم بأمر الخليفة، فى حين ظهرت القاهرة ولأول مرة على خط القصة الملتبسة، بوفد رفيع المستوى على رأسه البابا تواضروس الثانى، توجه إلى يريفان فى مواساة متأخرة على نحو ما، لا يمكن فصلها عن حالة التأزم التى تضرب علاقتها بأنقرة حاليًا.
وفى مسألة مذابح الأرمن هناك روايتان أساسيتان.. الأولى وهى الأقرب إلى الإجماع العالمى، تقطع بأن الإمبراطورية العثمانية نهجت على استهداف منظم بالقتل والإجبار على التهجير القسرى للأرمن وثوارهم، فى شرق الدولة، وذلك على خلفية اتهامهم بمساندة روسيا القيصرية ضدها، غير أن قرار الإبادة الشاملة لم يتخذ حتى أبريل 1915، حيث قام العثمانيون، وفق المجلس الدولى لحقوق الإنسان، بجمع المئات من أهم الشخصيات الأرمنية فى إسطنبول وتم إعدامهم فى ساحات المدينة، و"بعدها أمرت جميع العوام الأرمنية فى الأناضول بترك ممتلكاتها والانضمام إلى القوافل التى تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال فى طرق جبلية وعرة وصحراوية قاحلة. وغالبا ما تم حرمان هؤلاء من المأكل والملبس. فمات خلال حملات التهجير هذه حوالى 75% ممن شارك بها وترك الباقون فى صحاري بادية الشام"، وفق ما ينقل كتاب "عمل مشين: الإبادة الجماعية للأرمن وقضية المسؤولية التركية"، الصادر فى نيويورك لتانر أكام، فى العام 2006.

وتنقل غالبية المراجع، عن تقرير لجنة الأمم المتحدة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات، الإبادة الجماعية للأرمن، الصادر فى 2 يوليو 1985، مشاهدات السفير الأمريكى فى إسطنبول فى العام 1915 عن المذابح حيث قال نصًا: "مشاهد كهذه كانت شائعة فى جميع المقاطعات التى يسكنها الأرمن، فى أشهر الصيف والربيع من سنة 1915، الموت كان فى عدة صور مذابح، مجاعات، تهجير قسرى، تسببت فى أذية السواد الأعظم من اللاجئين، السياسة التركية كانت تقضى بالإبادة مع النفى فى العلن"..

ويقول أحد المراسلين الأمريكان كان فى مدينة الرها، ونقل عنه كتاب "الإبادة الجماعية المنسية: تدمير الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى"، إنه "خلال 6 أسابيع شاهدنا أبشع الفظائع تقترف بحق الآلاف.. الذين جاؤوا من المدن الشمالية ليعبروا من مدينتنا. وجميعهم يروون نفس الرواية: قتل جميع رجالهم فى اليوم الأول من المسيرة، بعدها تم الاعتداء على النسوة والفتيات بالضرب والسرقة وخطف بعضهن حراسهم.. كانوا من أسوأ العناصر كما سمحوا لأى من كان من القرى التى عبروها باختطاف النسوة والاعتداء عليهن. لم تكن هذه مجرد روايات بل شاهدنا بأم أعيننا هذا الشىء يحدث علنًا فى الشوارع"..

وتعترف دول عدة حول العالم بأن المذابح فى حق الأرمن كانت إبادة جماعية، ناهيك عن غالبية المنظمات الدولية الرئيسة، وفى مقدمتها، الأمم المتحدة، والبرلمان الأوروبى، ومجلس الكنائس العالمى، وأخيرًا الفاتيكان، الذى أثار غضب أردوغان قبل أسبوع، بسبب تأكيد الفعل المشين لأنقرة من جانب البابا فرانسيس الأول..

وبخلاف جمعية حقوق الإنسان التركية، لا تعترف أنقرة مطلقًا بالمجازر، بل أنها تجرم ذلك قانونًا منذ العام 2005، فيما أنها تستند إلى افتضاح أمر تحصل عدد من المؤرخين، وخاصة من الأمريكان، على أموال لتثبيت مسألة الإبادة الجماعية ضد الدولة العثمانية، فيما يظل سبب رفض الأتراك للإذعان للضغط الدولى فى هذا الشأن، لأنها لا تريد دفع تعويضات، على طريقة التعويضات الألمانية لضحايا الهولوكوست النازى، وكذا حتى لا يتم استخدام ذلك الملف من أجل ابتزازهم، وخاصة أن كثيرين لا يعرفون أن تعبير "الإبادة الجماعية" لم يكن قد عرف على المستوى الدولى قبل تلك الواقعة.

ورغم أن بارك أوباما، كان وعد قبل انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، فى العام 2009، جمع مؤثر من الأرمن الأمريكان، بالاعتراف بالإبادة الجماعية لآبائهم على يد الأتراك، إلا أنه يتحاشى ذكر ذلك على لسانه، فى إشارة لا يمكن أن تخطئها عين عن رغبته فى عدم إغضاب الحليف الأردوغانى صاحب اليد الطولى فى أماكن مصلحة الأمريكان، وتحديدًا فى سوريا.

فى المقابل، يبدو التصعيد الأوروبى والنفخ فى المسألة الأرمينية التركية، مقصودًا لسد الطريق نهائيًا على دخول أنقرة إلى الاتحاد الأوروبى، ومن ثم استبق مكتب رئيس الوزراء التركى أحمد داود أوغلو، معلنًا أن تركيا "تتقاسم عذابات أطفال وأحفاد" الأرمن الذين قضوا مطلع القرن العشرين، مطالبًا الجارتين تركيا وأرمينيا بـ"بلسمة جراح هذا القرن واستعادة علاقاتهما الإنسانية"، فى حين كشر أردوغان عن أنيابه بتحذير الغرب من تسييس القضية، وشدد على أن بلاده مستعدة للتعاون مع يريفان من أجل التوصل إلى حل لتلك الأزمة المثارة منذ عشرات السنين.

وترفض أرمينيا طلبًا تركيًا متكررًا بفتح الأرشيف الخاص بكل دولة حول القضية للوصول إلى نتائج مشتركة بشأن ما جرى فعليًا.