حمد بن خليفة
يسرى فودة فى كتابه "طريق الأذى"، روى حكاية تكشف إلى حد كبير طبيعة الرجل الذى يظهر فى أماكن غريبة وبطريقة مفاجئة، حيث حكى الإعلامى الكبير، أنه وبعد أن ساومه رجال "القاعدة" على شريط سجله فودة مع خالد شيخ محمد ورمزى بن الشيبة، مدبرا هجمات 11 سبتمبر، فى الذكرى الثانية لها، قابل الشيخ حمد فى لندن، بناءً على طلب الأخير، ودون معرفة الإعلامى المصرى، وكان الأمير يرتدى الجينز، ويجلس بأريحية دون حرس فى بهو فندق فى العاصمة البريطانية.

الشيخ حمد ظهر منذ أيام، فى حفل تخرج لطلاب المدينة التعليمية لمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، التى ترعاها الشيخة موزة، وحيى فيه طلاب جماعة الإخوان على مظاهراتهم داخل الحرم الجامعى، زاعمًا أنهم يتعرضون للتنكيل والقمع والقتل.
وقال الأمير السابق: "لا يجب أن يتم نسيان الطلاب الفلسطينيين المحرومين من الخروج من غزة، بسبب الحصار المفروض على القطاع، كما لا يجب أن يُنسى هذا أن هناك طلابًا يواجهون الموت فى مصر"، على حد زعمه.
رسالة الأمير القطرى السابق احتفت بها بالتأكيد جماعة الإخوان، ونشرت الفيديو على صفحاتهم، واصفة هذه الكلمة بأنها رسالة قوية للجميع.
يأتى الظهور المريب لحمد، وسط تكهنات كثيرة تؤكد أنه ومعه حمد بن جاسم "صاحب قناة الجزيرة القطرية"، لا يزالا يديران شؤون قطر، وأنهم يقفون خلف كل ما تشتكى منه دول الخليج المجاورة، وأن تميم، هو أمير لاستقبال ضيوف الدولة أمام الإعلام فقط.
كشف عن ذلك أحد أفراد الأسرة الحاكمة من قبل، وهو الشيخ عبدالعزيز بن خليفة آل ثان، الوزير السابق وعم الشيخ تميم بن حمد، الذى قال وقتها إن هناك مؤامرة بريطانية إسرائيلية بأموال قطرية، لتدمير الدول العربية.
اختفى حمد عن الأنظار لفترة طويلة، أعقبت تنحيه عن الحكم لصالح تميم.
قيل وقتها، إن الأمير السابق تنازل عن العرش بسبب حالته الصحية، رغم أن الفيديو الجديد الذى ظهر من خلاله وبعد سنوات من التنحى، ينفى هذه المزاعم. وهو ما أشار إليه الباحث الأمريكى فى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط سايمون هندرسون، الذى أكد أنه استنادا إلى أحاديث جمعته بمصدر قطرى لم يكشف عن هويته، فإن الأمير القطرى أراد عملية منظمة لنقل السلطة، تم الإعداد لها على مدار سنوات عديدة، كى يتسلمها تميم.
وكان ظهور الأمير حمد بن خليفة لحظة تنحيه، وإعلان نجله أميرا للبلاد من المرات الأخيرة، التى ظهر فيها، ثم حدث الاختفاء التدريجى له من الصورة، ومن السياسة الداخلية أو الخارجية فى قطر، وكأنه لم يكن أميرًا للبلاد يومًا.
منذ عام تقريبا، كتب المحلل السعودى عبدالناصر العتيبى فى جريدة "الحياة"، مقالا، أشار فيه إلى أن تنحى الشيخ حمد بن خليفة آل ثان عن حكم قطر، واستبداله بابنه الشيخ تميم كان صفقة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، لضمان الحفاظ على العلاقات ما بين الجيران، بعد تسرب بعض التسجيلات الصوتية للشيخ حمد، ووزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم، يتعرضان فيها بسوء للدول الثلاث.

العتيبى أضاف أن تنازل الشيخ حمد عن السلطة غير متعلق برغبة أمريكية غربية كما أشيع، وليست له علاقة برغبة داخلية قطرية لضمان الانتقال السلس للجيل التالى من الأسرة الحاكمة، كما علّق الإعلام القطري. وبالطبع لا علاقة للأمر بصحة الشيخ حمد كما نشرت بعض الصحف، فالكل يعرف فى هذه المنطقة أن الحاكم لا يحكم باستخدام صحته بمقدار استخدامه صحة الآخرين من حوله.
الدول الخليجية الثلاث ضغطت بقوة، لأجل التغيير الداخلى فى الأسرة، لأنها ولأسباب إستراتيجية ليس بمقدورها أن تفعل أكثر من ذلك، فالحفاظ على النسيج الخليجى الواحد، والاحتفاظ بطبيعة حكم خليجية واحدة، يفرضان على الأسر الحاكمة الخليجية أن تتعامل مع الوضع القطرى بحساسية مفرطة، فقطر ليست العراق أو اليمن أو ليبيا.

الغريب أنه وبعد سنوات من التنحى، مازال الوضع كما هو عليه، ومازال الانشقاق يضرب الصف الخليجى، حتى وإن قل ظهر الأمير السابق فى المناسبات وحفلات التكريم والمسابقات، إلا أن سياسة دولته لم تتغير بتغيره، فالخلاف على أشده مع دول الخليج ومصر، حتى وإن حاولت بعض الأطراف للتدخل لرأب هذا الصدع.
ظهر الرجل بصحة جيدة، وأعلن أمام الجميع دعمه للإخوان، كما أعلن عداءه للسلطة فى مصر، فهل يواصل الظهور، ويلعب هو وابنه لعبة "أن تصريحاته لا تمثل الدولة القطرية" من أجل تسخين الأوضاع أكثر وأكثر؟. أم يعود إلى الاختفاء ويواصل ألاعيبه من وراء الستار؟.