البث المباشر الراديو 9090
فتاة متهمة بممارسة الرذيلة - أرشيفية
لا يكد يمر يوم إلا وتنشر الصحافة خبرا عن ضبط شبكة "دعارة" فى القاهرة أو المحافظات، آخرها تلك الشبكة التى يقودها مدير إحدى نوادى الشرطة والتى تمكنت أجهزة الأمن من ضبطها خلال اليومين الماضيين، وأيضا تلك الفتاة الروسية التى ألقى القبض عليها متلبسة بشقة فى الدقى فى أول يوم لها فى القاهرة، والتى أمرت النيابة بحبسها على ذمة التحقيق لمدة 4 أيام، وتبين أنها تمارس الدعارة مقابل 3000 جنيه فى الساعة الواحدة.

الظروف الاقتصادية التى تمر بها مصر ولاشك عامل مهم فى انتشار الدعارة، إضافة إلى حالة الانحلال الأخلاقى فى السنوات الماضية، مع انتشار موجات للعرى غير المبرر فى "الميديا"، وأفكار شاذة يروجها نجوم ونجمات المجتمع من ذوى الصيت والغنى، لذا لابد من مواجهة هذه الأسباب بكل قوة، قبل أن تنتشر الظاهرة أكثر فأكثر، إلى الحد الذى قد تتصاعد معه مطالبات إباحة الدعارة، كما كانت فى عصور سابقة.

وفى هذا السياق لابد من التفرقة بين الدعارة " ممارسة الجنس مقابل المال" والفسق والفجور "ممارسة المتعة دون مقابل"، والتاريخ يلمح إلى أن الدعارة انتشرت فى مصر مع فتح العرب لها، واستمرت مباحة إلى ان انفجرت الظاهرة فى عصر الملك عبدالعزيز بالله عماد الدين أبو الفتح فى أواخر القرن السادس الهجرى، بالتزامن مع حالة غلاء لم يسبق لها مثيل وفرض ضرائب باهظة استعصى على المصريين دفعها، ما دفع كثير من النسوة إلى احتراف الدعارة لمواجهة سوء الأحوال المعيشية.

أبو الفتح انتهز الفرصة أيضا، فجعلها مباحة، مقابل فرض ضرائب على "بيوت الهوى".

ومع مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر، حددوا للداعرات ملابس مميزة، وعن طريقها لم تعد بيوت الدعارة لممارسة الجنس فقط، بل تطورت نوعيا إلى تقديم الخمور والغناء والموسيقى وأصبح دخولها بـ"تذكرة" لا يعفى منها إلا من يحمل تصريحا مجانيا من السلطات الفرنسية.


وفى عصر محمد على باشا، كان قراره بإلغاء ضريبة الدعارة عام 1837 ثم بدأ البغاء فى الخضوع للتنظيم والتسجيل منذ تطبيق اللائحة التى سميت بتعليمات بيوت العاهرات، وفى عام 1885 صدرت لائحة مكتب التفتيش على النسوة العاهرات بقرار من ناظر الداخلية، والتزمت البغايا طبقا للمادتين الثالثة والرابعة منها بتسجيل أسمائهن وإلا عوقبن، وأعقب هذه اللائحة بعض التعديلات مثل صدور لائحة 1897 ولائحة 1905.

سوق الدعارة فى مصر كان مربحا خلال فترة الاحتلال الإنجليزى والتى بدأت فى 1882، فى هذه الفترة صدر تقرير لجنة الخبراء الخصوصية التابعة لعصبة الأمم المتحدة يؤكد ذلك، فيقول نصا: "لقد ثبت أن الديار المصرية عبارة عن سوق بغاء عظيمة للنساء والفتيات من جميع الأجناس ولاسيما فى موسم السياحة، فى الشتاء، فإن السواد الأعظم منهن كن يشتغلن بالبغاء قبل قدومهن إلى القطر المصرى، ووصول النسوة كان فى الغالب عن طريق الإسكندرية، إلا أن بعضهن كان ينزل فى بورسعيد، والبعض الآخر كان يذهب إلى بيروت، ومن هناك يأتى إلى مصر عن طريق البر".

ويضيف التقرير: "حدث رواج كبير وزاد الطلب على الساقطات الأوربيات عام 1926"، وسجل التقرير المشار إليه أن أصحاب بيوت الدعارة كانوا يدفعون ما بين 50 إلى 100 جنيه للحصول على أجنبية، وهو مبلغ كبير فى هذا الوقت.

اقتصرت جنسيات القادمات للعمل بالدعارة فى مصر على اليونانيات والفرنسيات والإيطاليات، ويشير التقرير أيضا إلى أن عدد الساقطات الأوربيات المسجلات عام 1916 بلغ 659 إمرأة بينما زاد هذا العدد فى منتصف الثلاثينيات وبلغ أكثر من 12 ألف أوروبية.

وللطرافة، يُقال إن الرجال المصريين من باب الوطنية ورفض الاحتلال لم يقتربوا من العاهرات الأجنبيات، واكتفوا بالمصريات اللاتى كن يعملن برخصة "صحية" تعطى لهم من مستشفى "الحوض المرصود" الكائن الآن فى منطقة السيدة زينب.

فى عام 1949 ألغيت الدعارة تماما، وينسب الإخوان هذا الإجراء لهم، لكن الحقيقة أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار دول الحلفاء سنة 1945، اشتدت الحركات الوطنية المطالبة بجلاء الاحتلال البريطانى، ورأت هذه الحركات أن ترخيص الدعارة فى مصر أمر "مهين" ولا يتفق مع العادات والتقاليد العربية، ويتنافى تماما مع الدين الإسلامى وشرائعه، وأمام كثرة المطالبات، أصدرت الحكومة مرسوما بإلغاء شهادات البغاء، وتوقف مستشفى الحوض المرصود وغيره من المستشفيات عن منح الشهادات الصحية للعاهرات.

فى النصف الأول من القرن الماضى عرفت بعض شوارع القاهرة بأنها تضم بين سكانها الساقطات اللائى يعملن بالجنس لأى سبب سواء كان للمال أو للمتعة، فكانت هناك 3 أماكن من أشهر الشوارع هى "عماد الدين"، الذى عرف عنه أنه شارع الفن والسينمات فيما بعد، وكان لشارع "محمد علي" نصيب هو الآخر من فتيات الهوى اللائى احترفن الجنس والرقص فى نفس الوقت، وأخيرا "كلوت بك" الذى اشتهر ربما أكثر من سابقيه، لوجود فنادق صغيرة به كانت فى الأغلب أماكن لاستقبال الباحثين عن الجنس من الأقاليم.

ولم تشتهر أماكن بعينها فى المحافظات، لأن ممارسة الدعارة هناك ربما كانت مستترة بالمقارنة بالعاصمة القاهرة.

أما الآن فتشير أغلب قضايا الدعارة المضبوطة إلى أماكن مثل الدقى والمهندسين ومدينة نصر ومصر الجديدة أو أماكن فى المدن الجديدة كالسادس من أكتوبر والتجمع، إضافة إلى شرم الشيخ والغردقة المليئة بالسياح الأجانب.

ومثلما كانت الإيطاليات واليونانيات أشهر جنسيات الأجنبيات العاملات فى الدعارة بمنتصف القرن الماضى، فإن الروسيات والأوكرانيات الآن يحتلن المرتبة الأولى.

الغريب أن ممارسة الدعارة انطلقت من المناطق الشعبية كما ذكرنا، من محمد على وكلوت بك وعماد الدين، حتى توطنت الآن فى المناطق الراقية.

الشبكات الكبرى بالتأكيد توجد فى المناطق الراقية، وعضوات هذه الشبكات غالبا من طالبات الجامعات وبنات الطبقات الثرية اللاتى يعانين من مشاكل التمزق والتفكك الأسرى، أو ذوات المستوى الاجتماعى المنخفض المتطلعات إلى المزيد من الثراء، وعادة ما تتخذ هذه الشبكات من الشقق المفروشة أوكارا لها، أما الزبائن فغالبا ما يكونون من الأثرياء العرب ورجال الأعمال المصريين.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً