الشيخ الطبلاوى
الشيخ محمد الطبلاوى، نقيب القراء، حافظ القرآن فى سن التاسعة، بينما صعدت موهبته الجميلة فى القراءة والتجويد فى الـ15 من عمره، مقدمًا العديد من الليالى القرآنية والسهرات والأمسيات الدينية.. بصوته الجميل طاف بقاع الأرض حتى وصل إلى جوف الكعبة.
"مبتدا" أجرى حوارًا ساخنًا مع نقيب القراء، الذى أكد أن شهر رمضان يعد موسم رزق، وشهر مبارك لجموع المسلمين، وخصوصًا القراء، مشيرًا إلى أن غياب "الكتاتيب" أثر سلبًا على جودة ومستقبل القراء الجدد.. وإلى نص الحوار:
حدثنا عن مسريتك فى عالم تلاوة القرآن الكريم؟
"الكتاتيب" كانت لها الفضل فى تعلمى وحفظى للقرآن الكريم، حيث كان والدى، رحمة الله وأدخله فسيح جناته، كان دائمًا ما يأخذنى إلى "الكُتاب" ويعطينى الكثير من عبارات التشجيع، وكان ذلك بـ"ميت عقبة" بإمبابة، لأنه كان دائم الدعاء بأن يرزقه المولى بقارئ للقرآن الكريم. ولأنه رجل طيب وصالح، استجاب الله له، وأصبحت قارئًا.

ومع استمراى وانتظامى فى الحفظ، حفظت القرآن وأنا فى سن الـ11، وبدأت فى الـ15 أقرا فى المآتم للمقربين وللمناطق المجاورة من محل سكنى بإمبابة، وكنت وقتها أحصل على مبلغ لا يتجاوز الـ5 جنيهات، وكانت تغمرنى الفرحة والسعادة البالغة بهذا المبلغ، لأن الحياة كانت قتها رخيصة و"الفلوس فيها بركة".
مشوراك فى القراءة ملىء بالذكريات.. حدثنا عنها؟
ذكرياتى كلها تدور حول العمل والجهد والعرق، سواء بالقراءة فى شتى محافظات الجمهورية فى مناسبات ومحافل مختلفة، أو فى الخارج فى بلدان عربية مثل السعودية والكويت والإمارات وأيضًا فى مدن وعواصم أوروبية لجاليات عربية هناك مثل أمريكا وفرنسا.
وأهم ذكرياتى تنصب على 3 مواقف وهى، محاولة اغتيالى عن طريق فنجان قهوة مسموم وأنا فى مرحلة الشباب، حيث كنت أقرأ فى أحد المآتم، وقُدم لى هذا المشروب، غير أن عناية المولى أنقذتنى، إذ أخذنى الحديث مع شخص بجاورى، حتى قام آخر وشرب القهوة، وعلى الفور ذهب للمستشفى، وتركت المأتم بسرعة.
وأيضًا من أهم ذكرياتى، موضوع اللغة، حيث إننى لا أجيد اللغات الأجنبية، وبالتالى كانت لدى صعوبة فى السفر للخارج، وكذلك دخولى لإذاعة القرآن الكريم، حيث تأخرت 9 سنوات عن سن الإذاعة وذلك لعدم إتقانى لما يسمى بـ"الانتقال النغمى".

حدثنا عن برنامج فضيلتك فى رمضان؟
فى الحقيقة، إن برنامجى فى هذا الشهر الكريم، محمدود ومقتصر على القراءة فى جامع الأزهر كل جمعة، حيث إننى لم أتلق دعوات للقراءة فى الخارج، وعندما تأتى لى دعوة للقراءة، سوف أذهب على الفور لإحياء أمجاد الماضى وتاريخي فى القراءة، حيث كنت فى رمضان أقرأ فى أغلب الدول الإسلامية، غير أن هذا الشهر الفضيل له ذكريات جميلة، حيث قرأت فيه فى العديد من الدول العربية والسهرات الرمضانية.
ما تقييمك لقرار "الأوقاف" بمنع السفر إلى إيران وتركيا وقطر لإحياء الليالى الرمضانية هناك؟
إذا كانت هناك مصلحة عليا سوف تحقق للبلاد من وراء ذلك، فالقُراء جزء من نسيج وطنى، ويهمهم فى المقام الأول تحقيق المنافع والمصالح العليا للبلاد.

ماذا يمثل لكم الحرم المكى؟
المملكة العربية السعودية تعد من أكثر البلدان العربية التى أحبها، وذلك لأنى قرأت فيها الكثير فى مناسبات عدة وفى أماكن مختلفة منذ عهد السبعينيات بشكل متواصل ومنتظم، وذلك فى عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، حتى وصلت إلى جوف الكعبة، حيث وجه لى دعوة للمشاركة فى غسيل الكعبة وأداء فريضة الحج، وفى تلك الفترة كنت متواجد داخل الأراضى السعودية بدعوات من الملك، حيث لم يتح لأحد ذلك.

وكان الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمة الله، عليه يصحبنى برفقة "آل شيبة"، وهم أصحاب "مفتاح الكعبة"، وفى جوف الكعبة أحسست بأعلى المشاعر الروحانية، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقرأت وقتها قول الله تعالى "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ".. الآية 58 من سورة "النساء".. بالإضافة إلى قراءتى للعديد من السور داخل الحرم المكى والنبوى مثل سورة "الزمر" و"الأنبياء".
وماذا عن أولادك.. هل من بينهم طبلاوى جديد؟
نفس أمنية والدى، تمنيتها أيضًا، وهى أن يرزقنى الله عز وجل بولد من أبنائى يحمل ويكمل مشوارى فى تلاوة القرآن الكريم. أنا تزوجت فى سن الـ16، ولدى 7 ذكور و4 بنات، غير أن موهبتى ظهرت جليًا فى نجلى الأخير، محمد محمد الطبلاوى، وهو حاصل على بكالوريس تجارة، وحفظ القرآن الكريم، وصوته أخذ الكثير منى، وله من المعجبين الكثير، وظهر فى مناسبات ومآتم، ولكنها ليست لشخصيات عامة، كما قرأت معه فى حفلات عدة وله جولاته فى الخارج.
هل مدارس تحفيظ القرآن مؤهلة لتخريج مشايخ مثل الطبلاوى؟
الأصل فى تخريج القراء هى "الكتاتيب"، فهى الأساس فى حفظ القرآن الكريم وتلاوته، وذلك لأنها تقوم على الإتقان والاجتهاد فى تنشئة جيل يحترف القراءة والتجويد والترتيل، أما فيما يتعلق بمدارس تحفيظ القرآن، فأغلبها تكون بهدف الربح، والبعض الآخرى ذات إمكانيات محدودة. ولذلك خرج منها القراء الكبار فى تاريخ المصريين، الذين تركوا بصمات ملاأت العالم العربى والإسلامى، أمثال محمد رفعت، والمنشاوى، ومصطفى إسماعيل، وغيرهم.
ولذلك، فعلى المجتمع المصرى، أن يعود إلى "الكتاتيب"، وعلى الدولة أن تتوسع فى إعادة "الكتاتيب" مرة أخرى حتى تستمر مصر فى احتلال المركز الأول فى القراءة، إعمالًا للقول بأن "القرآن نزل فى مكة وطبع فى اسطنبول وقرأ فى مصر"، فالكتاتيب هى التى تبدع وتبتكر وتخلق مواهب لها حلاوة فى الآداء، والجوهر، والمضمون، أما المدارس فقائمة على التقليد فقط دون الإبداع.

هل هذا يعنى أن شباب القراء مقلدين وليسوا مبدعين؟
فى الحقيقة غياب "الكتاتيب" حرم شباب القراء من فرص الابتكار والتجديد والعطاء، غير أن ذلك لا يعنى على الإطلاق غياب المواهب، فشباب القراء بهم مواهب جميلة وقادرة على الابتكار، وهناك أصوات شابة وموهوبة، لكنها تحتاج إلى مزيد من اهتمام الدولة بها، من أجل تنميتها حتى الوصول إلى مرتبة القراء الكبار، لتظل مصر رائدة فى مجال تلاوة القرآن الكريم.
الشيخ الطبلاوى لمن يسمع؟
فى الحقيقة أقوم بقراءة القرآن بشكل يومى، لدرجة أننى أختم القرآن أسبوعيًا، أما فيما يتعلق بسماع القرآن الكريم، فأسمع للشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ مصطفى إسماعيل، وأيضًا أميل إلى القراء القدامى أمثال الشيخ منصور الدمنهورى، والشيخ أحمد صالح، رحمة الله عليهما، وكذلك الشيخ الكبير محمد رفعت، والشيخ محمد صديق المنشاوى.

سبق وأن صرحت بأن جميع من سافر من القراء إلى إيران رفع الأذان الشيعى؟
فى الحقيقة هذه مسألة فى غاية الخطورة، لذلك قامت نقابة القراء بالتنسيق المباشر مع وزارة الأوقاف والدكتور مختار جمعة، بوضع العديد من الضوابط للحد من هذا الموضوع، فأصبح الآن لا يجوز سفر أى قارئ دون أن تخطر النقابة بالجهة التى ينتوى القارئ السفر إليها، فضلًا عن قرار "الأوقاف"، بعدم إيفاد قراء مصريين فى الشهر الكريم إلى إيران وقطر وتركيا، ونحن كنقابة لا ننزعج من هذا القرار، لأن القراء جزء أصيل من نسيج الوطن، ويهمهم مصلحته، غير أن كل من قالت عنه النقابة إنه رفع الأذان الشيعى، هو بالفعل قام بذلك، وقامت النقابة بفصل 3 قراء ثبت قيامهم برفع الأذان الشيعى، دون الإفصاح عن أسمائهم.

إلى أى مدى وصل الخلاف بينك وبين الدكتور أحمد نعينع؟
الشيخ الطبلاوى بصفته نقيب القراء، لا خلاف له مع أحد، والنقابة تقف بالمرصاد لأى تجاوز من أى قارئ دون النظر إلى شخصه، والدكتور أحمد نعينع سبق وأن قال إن الطبلاوى رفع الأذان الشيعى، وهذا أمر عار عن الصحة، والدليل على ذلك قيام السلطات الإيرانية بمنعى من السفر إلى طهران، على أثر رفضى رفع الأذان الشيعى فى إحدى جولاتى السابقة.
وإذا كان لدى نعينع مقطع فيديو خاص بى وأنا أرفع الأذان الشيعى، لكان قدمه وأعلنه على مرئى ومسمع من الجميع، دون الاتهامات التى لا تحمل سوى التشهير والنيل من شخص نقيب القراء.
ما تقيمك لثورتى 25 يناير و30 يونيو؟
فى الحقيقة، ثورة 25 يناير كانت علامة فارقة فى تاريخ المجتمع المصرى، ونقطة تحول بشكل كبير، ترتب عليها أمور عدة، وجاءت بإرادة شعبية لتحقيق أهداف ومطالب مجتمعية أبرزها العدالة الاجتماعية، ثم هبت على مصر ثورة 30 يونيو لاستعادة المسار الصحيح لثورة 25 يناير، وكلاهما مكمل للآخر.

وما رأيك فى الرئيس مبارك؟
تقابلت مع الرئيس الأسبق مبارك قبل نشوب ثورة 25 يناير بأسابيع عندما طلبت من الرئيس حضور جلسات تحكيم حفظة القرآن الكريم، غير أن نظام حكم مبارك ليس كما أذيع بأنه فاشل وفاسد، بقدر ما ساهم رجال مبارك فى إفساد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للبلاد، وذلك فى أواخر عهد مبارك، حيث أدت لجنة السياسات إلى مزيد من التدهور فى شتى المجالات والقطاعات، حتى نشبت ثورة 25 يناير ضد الفساد والظلم.
وفى لقاءتى بمبارك كنت دائما أنقل إليه رسائل الشارع المصرى بأنه "تعبان"، ولكنه كان لا ينزعج من كلامى ولا يلتفت له وينظر بعدم تركيز.

كيف تقيم فترة تولى الإخوان حكم البلاد؟
فترة الرئيس المعزول محمد مرسى وجماعة الإخوان، تعد من أصعب اللحظات على المجتمع المصرى، حيث عانى المجتمع طيلة العام من نقص فى فن الإدارة، والتعامل مع المواقف بشكل لا يليق بتاريخ ومكانة مصر، كما أن الإخوان فشلوا فى إدارة حكم البلاد، ناهيك عن تبنى الجماعة للمظاهرات عقب نشوب ثورة 30 يونيو للنيل من خارطة الطريق والدولة المصرية كنوع من رفض إرادة الشعب المصرى الذى خرج بالملايين فى 30 يونيو لإسقاط حكمهم، فالشعب هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى تولى مقاليد الحكم، وعلى الجميع أن يدرك ذلك حتى يستطيع أن ينهض بالمجتمع، ويواجه التحديات سواء فى الداخل أو فى الخارج.

ما رأيك فى الرئيس عبدالفتاح السيسى؟
المرحلة التى مرت بها البلاد خصوصًا بعد قيام ثورة 25 يناير، وحالة الانفلات الأمنى والمظاهرات الفئوية، وحتى نشوب ثورة 30 يونيو وازياد العمليات الإرهابية من قبل الجماعات المتطرفة. كل تلك الأمور وغيرها جعلت المهام الملقاة على عاتق الرئيس عبدالفتاح السيسى، الرجل الوطنى المخلص الشجاع، ثقيلة، غير أن الشعبية التى يتمتع بها الرئيس، وحب المجتمع له، ستساعده على إنجاز المهام الموكلة إليه بكل عون وتوفيق ومشيئة الله تعالى.
ولكن على أبناء المجتمع المصرى الشرفاء، أن يلتفوا حول رجال الجيش والشرطة فى حربهما على الإرهاب، خصوصًا بعد محاولاتهم القوية استهداف مقدرات الوطن.
ما النصائح التى يقدمها الطبلاوى لشباب القراء؟
التأنى والإتقان فى حفظ القرآن الكريم على أيدى متخصصين، وعدم الاستعجال فى الظهور، ومن ثم الإتقان فى العمل، كذلك عدم النظر إلى الأموال بقدر العمل على تزويد النفس بكل علوم التلاوة.