بن لادن
هكذا قال "روبرت فيسك"، فى إحدى مقالته الشهيرة على صحيفة "اندبندنت"، مؤكدا أن بن لادن يبدو شخصية لطيفة الآن، مقارنة بمقاتلى تنظيم "داعش"، بأساليبهم الوحشية فى قطع الرؤوس والتعذيب والاستيلاء على مدن بأكملها، فهو رجل يحبّ زوجته، ويوجّه ابنه لقيادة التنظيم من بعده، كما أنه حريص على تعليم وتثقيف نفسه وقراءة الشعر والأدب.
"مبتدا" حصل على مذكرات أسامة بن لادن، الرجل الأول بتنظيم القاعدة، والعقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، ويروى فيها كثيرا من الأسرار والحكايات عن بدايات الجهاد الأفغانى، وعلاقته مع السعودية، ونصيحته لعلمائها، وكيف كان ينظر الرجل لأفكار علماء عصره، أمثال ابن باز مفتى السعودية، وعبد الرحيم الطحان، عالم الرياض.
كما تناولت المذكرات مواقفه الفكرية من الإخوان المسلمين فى مصر، وحركة حماس فى فلسطين، ورأيه فى القيادات المنفّذة لأحداث 11سبتمبر، أو ما يطلق عليها بن لادن "غزوة منهاتن بأمريكا".
ووضعت فى نهاية المذكرات وثائق "آبوت آباد"، وهى مجموعة مراسلات عثرت عليها الولايات المتحدة الأمريكية فى منزل أُسامة بن لادن وقت اغتياله، وعرضتها القاعدة فى كتاب مستقل، ثم نشرت الموثوق بها من وجهة نظرهم فى مذكرات بن لادن الأخيرة، وتمت تزكية الجزء الأول منها.

ونقل القيادى القاعدى أبو مريم الأزدى، تزكية القيادى أبو يحيى الليبى لها، فقال: "أكّد الشيخ أبو يحيى صحتها، وقال إنها تتضمن فوائد وحكما"، وكذلك فعل القيادى نصر بن على الآنسى، حين سئل عن صحتها، فقال: "نعم هى صحيحة ولكن فيها نقص"، وقد سألنا أصحاب الشأن عن الجزء الثانى والثالث عنها فقالوا هى صحيحة فى الجملة، ولكن يتعذر التأكد من عدم إضافة سطر أو جملة لها.
الوثائق توضّح أيضا كيف كان بن لادن يوجّه قادة القاعدة، مثل أبو عطية الليبى ومصطفى أبو اليزيد، وغيرهم من قادة التنظيم، ويعدّ نشر هذه الوثائق اعترافا رسميا من القاعدة بكل ما جاء فيها من معلومات.
كما تناولت المذكرات موقف زعيم التنظيم من الملا عمر، حاكم طالبان فى أفغانستان، أو كما يطلق عليه أمير المؤمنين، وكيف حدث بينهم فجوة بسب أحداث 11 سبتمبر، حيث خالف بن لادن أوامر أمير المؤمنين بتحريض من أيمن الظواهرى، الرجل الثانى فى التنظيم، بتنفيذ عملية 11 سبتمبر، ورغم ذلك لم يخرج الملا عمر وهاجم بن لادن وتجرع السم هو وحركته طالبان، بسبب مواقف بن لادن وجماعته.
وفى المذكرات أيضا، اعتراف بسقوط وتدنّى شعبية القاعدة، بعد عمليتى كينيا وتنزانيا وتفجيرات الرياض والدار البيضاء بين الشباب فى العالم الإسلامى، بسبب تعطش التنظيم للدماء، والمفردات التى كان التنظيم يستخدمها فى خطابه الإعلامى، والتى تحضّ على العنف والكراهية، ودعا لمراجعة خطابهم الإعلامى وتجنّب الألفاظ المشينة وغير المرضية للرأى العام، وتجنب القتل بالسم والذبح والقتل الغيلة والتى تسقط من شعبية التنظيم لدى الشباب وفى العالم الإسلامى.

بل وطالب بعد هذه المعلومات التى أرسلها له جهازه الإعلامى، الذى يرصد توجهات الشباب والرأى العام فى العالم بسرعة تغيير اسم التنظيم إلى قاعدة الجهاد أو توحيد القاعدة، بدلا من تنظيم القاعدة الذى أحدث لغطا إعلاميا كبيرا.
مذكرات ووثائق ورسائل وتوجّهات بن لادن، التى حصلنا عليها، تعد من الرسائل التاريخية التى لا تقل أهمية عن رسائل حسن البنا، ورسائل جهيمان العتيبى، قائد هجمات الحرم عام 1979، وهى غنية بالمعلومات التى لم تتوافر من قبل فى أى موقع إلكترونى أو كتاب.
فى الحلقات المقبلة، نبدأ استعراض المذكرات والتركيز على أهم ما ورد فيها.