اصنعى لنفسك ماركة
العقل
من هنا كان لا بد لك من التعرف على هذا الشىء العجيب، الذى يوجد بداخلنا، والذى هو بمثابة غرفة التحكم، وجهاز الكمبيوتر للإنسان، وإن كان حتى جهاز الكمبيوتر مجرد آلة من اختراع العقل البشرى، وهى شبيهة فى عملها بالعقل، فجهاز الكمبيوتر، نُدخل إليه البيانات، ليقوم ببرمجتها والتعامل معها، ويخرجها لنا فى صورة معلومات ونتائج منطقية، وحسابية إلى غير ذلك.

والآن دعينى أصحبك فى جولة سريعة داخل آية من آيات الله سبحانه وتعالى ألا وهى العقل البشرى، لنتعرف على ماهيته وكيف يعمل.
وعن كيفية عمل العقل كتب الدكتور محمد التكريتى، فى كتابه "آفاق بلا حدود" قائلا: "هل تذكرين كم من المرات نسيتى اسما لشخص، أو بلد، أو مكان، ولم تستطيعى تذكره؟! ولكنك فجأة، وأنت منشغلة بأمر آخر، لا علاقة له بذلك الاسم، تتذكرينه، كأن أحدا أخبرك به؟

هل حدث لك أنه فى مناسبات معينة، يتعين عليكى أن تستيقظى مبكرا فى ساعة معينة على غير عادتك، فإذا بك تنتفضين من نومك، قبل الموعد بدقائق، وكأن أحدا أيقظك؟

هل حدث أنك كنت أمام مشكلة مستعصية لا تستطيعين حلها، فإذا بك بعد ساعات أو أيام أو أسابيع، تجدين الحل، الذى كان غائبا عنك، فجأة ودون سابق إنذار؟

هل تذكرين كم من المرات كان ذهنك منشغلا فى مسألة وأنت تقودين سيارتك فى شوارع المدينة المزدحمة بالسيارات والمارة، عقلك منشغل فى حل مشكلة من المشاكل، أو فى التخطيط لنشاط تجارى، أو اجتماعى، أو أدبى، وفى الوقت نفسه تسوقين سيارتك بكفاءة وأداء لا غبار عليهما؟
ماذا يحصل لديك، عندما تمس يدك جسما ساخنا، هل تبقين يدك تحترق حتى تديرين رأسك، لترين ما هو مصدر الألم، أم أنك تسحبين يدك قبل أن تفكرى أو تفعلى أى شىء آخر، فتقولين إنك سحبت يدك "لا شعوريا"؟

ذلك هو العقل الباطن، أو العقل اللا واعى، أو اللا شعور، سمه ما شئت، ولكن سنسميه العقل الباطن، العقل الباطن هو الذى أسعفك باسم الشخص، أو البلد الذى نسيتيه، وهو الذى أيقظك من نومك على غير عادتك، وهو الذى وجد الحل لمشكلتك المستعصية بعد أن أعطيته المشكلة ونسيتيها، وهو الذى كان يقود سيارتك، ويتحكم بيديك ورجليك وسمعك وبصرك وأنت "عقلك الواعي"، منشغل بأمر لا علاقة له بالسيارة وقيادتها.
فالعقل الباطن، هو الذى يقود أحاديثنا، ورؤانا وافتراضاتنا، وقناعاتنا، أما العقل الواعى، فهو الذى يصوغ حياتنا، ومشاعرنا ونفسيتنا، تبعا لتلك الرؤى والافتراضات والقناعات، العقل الواعى كالفلاح، الذى يضع البذور فى التربة، والعقل الباطن كالتربة، التى تحول البذور إلى ثمر، العقل الواعى كقائد الطائرة، الذى يوجهها ويقودها، والعقل الباطن كالمحركات النفاثة، التى تدفع الطائرة وترتفع بها آلاف الأمتارـ العقل الواعى يعمل فى حالة اليقظة فقط، أما العقل الباطن فهو يعمل فى حالة اليقظة والنوم، فهو يستمر ليلا ونهارا، بغض النظر عما يقوم به العقل الواعى.
العقل الواعى يتعلق بالموضوع، ويتعلق بالمنطق، يدرك السبب والنتيجة، ويتلقى معلوماته عن طريق الحواس، ويقابلها بما هو مخزون فى الدماغ من معلومات سابقة، فيحلل ويركب ويستنتج ويستقرئ، أما العقل الباطن فهو يتعلق بالذات أى بالعالم الداخلى للإنسان، وهو لا يفهم المنطق، ولا يميز بين الخطأ والصواب، إنما يعتبر كل ما لديه حقا وصوابا، ولا شىء غير ذلك، العقل الواعى هو الموجه والمرشد، الذى يقبل الفكرة أو يرفضها، أما العقل الباطن، فهو المنفذ، الذى يقوم بتحقيق ما قرأه العقل الواعى، والعقل الباطن، طاقة محايدة، يمكن أن تغير حياة الإنسان نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، ويمكن أن يقود صاحبه إلى الخير أو إلى الشر، كل ذلك يعتمد على ما يستقر فيه.
وظائف العقل الباطن
1- تخزين المعلومات والذكريات: فالعقل الباطن يختزن تجارب الإنسان ما رآه وسمعه، وذاقه وشمه، وأحس به، فهو يختزن الصور، والأشكال، والألوان، وأبعادها، وأحجامها، ومواقعها، وحركاتها، ويختزن الأصوات، وطبيعتها، وشدتها، ونغمتها، ويختزن الإحساس كالحرارة والبرودة، والنعومة، والخشونة، والصلابة، والليونة.

2- العقل الباطن هو معقل العواطف والمشاعر، وبالتالى فهو الذى يوجه الرغبات والميول.

3- العقل الباطن ينظم الأفعال غير الإرادية كالتنفس، ونبض القلب، والدورة الدموية، ودرجة حرارة الجسم، والهضم، والعرق والدموع!

4- العقل الباطن، هو سجل العادات، حسنة كانت أم قبيحة، كما أنه مستودع المهارات، التى يحوزها الإنسان كالكتابة، وقيادة السيارة، والطبخ، والحياكة، والتجارة... وجميع المهارات الحرفية وغير الحرفية.

5- العقل الباطن يتحكم بالطاقة الجسدية والنفسية، وبيده توجيهها كما ونوعا.

التأثير فى العقل الباطن

إن الحياة اليومية للإنسان، والنشاطات المتنوعة له، والمعلومات، التى تصل إلى دماغه عن طريق الحواس الـ5، كلها تؤثر فى عقله الباطن، ولكن هذا التأثير غير مبرمج وغير منظم، أى أنه تأثير عشوائى، وقد تكون هناك أنماط من التأثير فى العقل الباطن، تتصف بالرتابة والتراكم، منها التربية والتعليم، ومجموعة القيم والأفكار السائدة فى المجتمع، وجو العائلة والعلاقات بين أفرادها، ووسائل الإعلام المتنوعة كالصحف والراديو والتليفزيون، إلا أن تأثير هذه الوسائل فى العقل الباطن، هو تأثير تراكمى بطىء يستغرق وقتا طويلا فى أغلب الأحيان.
ويمكن تشبيه تأثير البيئة فى العقل الباطن، بتأثير الرياح فى تشكيل الكثبان الرملية، أو تأثير المياه الجارية فى نحت الصخور وتشكيلها، أو تأثير العوامل الطبيعية من رياح وأمطار، وسيول، وغيرها، فى تشكيل الأنهار والروافد والوديان، أما برمجة العقل الباطن، فهى تشبه عمل فرق الهندسة والإنشاءات، التى تقوم بشق الطرق وبناء الجسور، وتشييد البنايات، وتسوية الأرض، حيث يتم ذلك بتخطيط وتصميم، وفى فترة زمنية قصيرة، وبشكل محدد ومعروف مسبقا، خلافا للحالة الأولى، التى تخضع لعوامل الطبيعة، وتستغرق وقتا طويلا، قد يصل إلى أجيال، أو قرون من الزمان.
التأثير غير المبرمج فى العقل الباطن
هناك 4 أنواع من الطرق تؤثر فى العقل الباطن، تأثيرا تراكميا عشوائيا، وهى: البيئة، والانتماء، والشخصية المؤثرة، والعواطف الحادة.
البيئة
وتشمل البيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية.
فالبيئة الطبيعية كحرارة الجو، وبرودته، ورطوبته، وطبيعة الأرض صحراوية كانت، أم جبلية، أم زراعية، أم ساحلية، والكائنات الحية التى تحيط به، من نبات وحيوان، كلها تؤثر فى عقله الباطن، فالعربى فى الصحراء يعرف نحو 50 اسما للإبل، ورجل الإسكيمو يعرف نحو 70 اسما للثلج والجليد، ولكل ذلك معان ودلالات، تؤثر فى تفكير الإنسان وسلوكه، دون أن يشعر.
أما البيئة الاجتماعية فهى أشد تأثيرا، وأعظم شأنا فى صياغة العقل الباطن، ابتداء من أبويه وأسرته، وانتهاء بوسائل الإعلام، التى تنحت فى عقله الباطن، مرورا بمعلميه، وأصدقائه وأقاربه، وبقية أفراد المجتمع، وما يفرزه هذا المجتمع من ثقافة وأدب ولغة، وسلوك كل ذلك يؤثر فى العقل الباطن، كما يؤثر الماء الجارى فى الصخور، فينحتها نحتا، ويحيلها إلى أشكال ذات أبعاد وزوايا معينة، لذا نجد إبداع الشخص وإنتاجه، معبرا عن بيئته شاء أم أبى.
ويصف المتنبى بحيرة طبرية فيقول:
فلا يستطيع المتنبى، وهو يصف البحيرة هذا الوصف الجميل، أن يتخلص مما هو مخزون فى عقله الباطن من بيئته التى نشأ فيها، وهى بيئة الحرب والكر والفر والقتال، فيشبه الموج فى اندفاعه وهديره، بفحول الإبل، تثور بها رغباتها، كما يتخيل طير الماء، وقد اعتلى الزبد الأبيض، فرسانا يمتطون صهوات أفراس بيض، ثم يتخيل الرياح، التى تهب فوق سطح البحيرة، وما تثيره من أمواج متلاطمة، وكأن جيشين يقتتلان فيشتبكان ثم تنجلى المعركة عن فريق منتصر ثابت فى مكانه، وآخر منهزم يمعن فى الانسحاب.
ولننظر إلى صورة أخرى حيث يصف الشاعر الأندلسى ابن خفاجة نهرا فيقول:
لله نهر سال فى بطحـــــاء أشهى ورودا من لمى الحسناء
متعطف مثل السوار كأنه والزهر يكنفه مجر سماء
وغدت تحف به الغصون كأنها هدف يجف بمقلة زرقاء
إذ تعكس أبيات ابن خفاجة طبيعة الحياة الناعمة، وما فى بيئته من قصور وجمال، ونساء وحدائق.
الانتماء

عندما يعلم الشخص أنه ينتمى إلى قوم، اشتهروا بالكرم والسخاء، فإن عقله الباطن يتأثر، فيوجه الشخص لأن يكون كريما دون أن يشعر، وإن قيل له إن قومك عرفوا بحدة المزاج، فسيكون سلوكه متفقا مع انتمائه، ويصبح حاد المزاج، ويظهر هذا الأمر جليا عند بيان مزايا سكان مدينة، أو منطقة، أو شعب.
فالصعايدة فى مصر شديدون، وأهل الوجه البحرى مسالمون، وأهل البصرة فى العراق معروف عنهم الطيبة والكرم، وأهل الموصل معروف عنهم التنظيم فى شئوونهم المالية والتجارية، وأهل الريف كذا أخلاقهم، وأهل المدينة كذا..
وقد لا تكون نشأة الشخص فى قومه، أو مدينته، أو منطقته، إذ يمكن أن ينشأ ويعيش فى مكان آخر، ولكن سماعه لذلك التصنيف، لطباع قومه، يجعله يتكيف من حيث لا يشعر، فيتأثر بتلك الطباع والأخلاق، أى أن الذى أثر فى عقله الباطن ليس هو البيئة، وإنما هو الانتماء، وتندرج تحت الانتماء أيضا المعتقدات، والقيم، فالمسلم الذى يذهب إلى أوروبا لا يأكل لحم الخنزير بالرغم من أنه قد لا يكون متدينا.
الشخصية المؤثرة

سواء كانت شخصية دينية، أم سياسية، أم علمية، أم فنية، فإنها تؤثر فى العقل الباطن، وبالتالى تؤثر فى تفكير الإنسان وسلوكه، وليس من الضرورى أن يكون التأثير مباشرا عن طريق الرؤية والسماع، بل قد يكون عن طريق الأخبار والصور والكتابة، ولم تكن إنجازات العظماء فى التاريخ إلا عن طريق التأثير فى العقل الباطن لآلاف الناس، ومن ذلك الطبيب فى مريضه، وتأثير القائد العسكرى فى جنوده، وتأثير الأستاذ فى طلابه.
العواطف الحادة

عندما تمر بالإنسان أحداث مهمة، تؤثر بقوة فى عواطفه، كفقد عزيز مثلا، أو موقف إنسانى مؤثر، يقول الشخص إن الحادثة أثرت فى حياته وأنه لن ينساها.
التأثير المبرمج فى العقل الباطن

يمكن التأثير فى العقل الباطن بشكل مقصود، ومخطط له، وبإرادة الإنسان نفسه ورضاه، وهناك 3 طرق رئيسية لتحقيق ذلك: التكرار والإيحاء والهندسة النفسية.
التكرار

هو القيام بإعادة كلمات أو عبارات مرات كثيرة فى اليوم والليلة، لفترة من الوقت، أو باستمرار، ويعد الذكر والدعاء، خير مثال على هذا، فإن ذكر الله تعالى يزيد الإيمان، ويضىء النفس، ويرتقى بها فى مدارج الفضائل، فيتهذب السلوك، وتسمو الأعمال لقوله تعالى: "أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" "الرعد: من الآية28". و"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ" "الحديد: من الآية16".
الذكر

يكون الذكر بالقلب واللسان لقوله تعالى: "وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ" "الأعراف:205"، وذلك أفضل الذكر، وبالقلب وحده تارة، وهى الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة وهى الدرجة الثالثة، فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، والصلاة أعلى من الذكر والدعاء، لاشتراك القلب واللسان والجسد فيها، كما أن الطهارة والوضوء يسبقانها، وهما إعداد جسدى ونفسى للصلاة.
الدعاء

أما الدعاء ففيه تفرج الكربات، وتتيسر الأمور، وتفتح أبواب الرزق، وقد قال الله تعالى: "ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ" "غافر: من الآية60". وقال تعالى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" "البقرة: من الآية186".
وفى الحديث الصحيح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له".
وفى حديث آخر: "ادع الله وأنت موقن بالإجابة".
وهناك أوضاع وأوقات مفضلة للدعاء، فقد روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
وروى الترمذى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات".
وعليك بإنارة عقلك بالعلم والثقافة، اللذان حث عليهما الإسلام فبالعلم والثقافة يقاس تطور الشعوب وتقدمها، فكانت أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ" "العلق:1".